بعد أقل من شهر على خطاب الملك محمد السادس الذي وضع إصبعه على جرح التفاوتات التنموية، يأتي تقرير الثروة في إفريقيا لسنة 2025 ليمنح الأرقام برهانا إضافيا على عمق هذه المفارقات التي يعيشها المغرب. ففي بلد تتجاوز فيه نسبة البطالة الرسمية 13%، يكشف التقرير عن ارتفاع عدد المليونيرات بنسبة 40% خلال عقد واحد، ليصلوا إلى 7500 مليونير، واضعًا المغرب في المرتبة الثالثة إفريقيا بعد جنوب إفريقيا ومصر.
البيانات تفضح ما يمكن وصفه بـ”المغرب المزدوج”: مغرب أقلية تتسلق سلالم الثروة بسرعة لافتة، ومغرب أوسع يرزح تحت ضغط البطالة والهشاشة، خصوصا في العالم القروي الذي ما يزال يعاني من ضعف البنيات التحتية والخدمات الأساسية. هذا التناقض يتأكد أيضا حين نعلم أن مراكش وحدها سجلت نموا في عدد الأثرياء بنسبة 67%، لتصبح ثاني أسرع مركز ثروة نموا في القارة بعد “بلاك ريفر” في موريشيوس، في وقت ما تزال مناطق أخرى من البلاد تبحث عن مستوصف أو مدرسة قريبة.
تقرير بنك المغرب الأخير بدوره لم يبتعد عن هذا التشخيص. فالأرقام التي رفعها عبد اللطيف الجواهري إلى الملك أوضحت أن الاقتصاد أحدث 82 ألف منصب شغل سنة 2024، لكن ذلك لم يكن كافيا لوقف نزيف البطالة، ولا لمواجهة تأثير الصدمات الخارجية وحالة اللايقين الدولي. وهو ما يفسر لماذا شدد الملك في خطابه على أن “لا مكان لمغرب يسير بسرعتين”.
الواقع إذن يكشف أن المملكة تسجل تقدما ملحوظا على مستوى المؤشرات الماكرو–اقتصادية والتنمية البشرية، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديا جوهريا يتمثل في العدالة المجالية وتوزيع الثروة. فأن تنمو الثروات بوتيرة سريعة لا يعني بالضرورة أن التنمية شملت الجميع. بل إن اتساع الهوة بين من يراكمون الملايين وبين من يبحثون عن الحد الأدنى للعيش الكريم، يشكل تهديدا مباشرا لمفهوم التنمية نفسه.
إن المغرب أمام مفترق طرق حاسم، إما أن ينجح في تحويل هذه الطفرة في خلق الثروات إلى رافعة لسياسات اجتماعية أكثر عدالة، أو يتركها تتحول إلى مصدر توترات اقتصادية ومجتمعية. والخطاب الملكي الأخير كان رسالة واضحة: المطلوب ليس فقط تحسين المؤشرات الكلية، بل ضمان أن يشعر كل مغربي ومغربية بأنهم جزء من المسار، لا ضحايا على هامشه.