بقلم: خالد بوبكري
تبدو تندوف بكل طبقاتها السياسية والإنسانية والدرامية أكثر من مجرد مخيمات نزاع عمره نصف قرن.
إنها قصة مكتملة العناصر تكشف عن مأساة إنسانية، لعبة جيوسياسية، خداع ديموغرافي، تجارة بالمساعدات، وجيل كامل وُلد تحت الخيام لا يعرف لماذا ولد هناك ولا من يمنعه من العودة.
إنها أسطورة غريبة لدرجة أن السينما العالمية لو احتضنتها لخرج منها أكبر فيلم سياسي-إنساني في العقدين الأخيرين.
في تندوف كما تفضحها الصورة لا حاجة لجدران عالية كي يسجن الإنسان يكفي أنه مسجون في القصة نفسها وآلاف الأشخاص من جنسيات مختلفة محاصرون في فضاء مفتوح، لا يملكون وثائق ولا حرية انتقال ولا حتى الحق في معرفة عددهم الحقيقي.
اللقطة السينمائية الأولى وحدها تحمل رمزية العالم كله: صحراء قاسية، خيام مبعثرة، وجمهور إنساني محتجز باسم شعارات لم يعد يؤمن بها حتى صانعوها.
قصة تندوف لا تحتاج خيال كاتب هوليوودي، فهناك الأمهات اللواتي ينتظرن منذ 40 سنة وعد العودة والشباب الذين كبروا في مدارس بلا مستقبل وتعلموا أن حياتهم مؤجلة إلى إشعار غير معروف والشيوخ الذين يحملون ذاكرة المغرب ولا يستطيعون الوصول إليه.
ثم هناك قيادة البوليساريو التي تحولت من حركة تحرير إلى نخبة تعيش على استمرار الأزمة، مثل شخصية الزومبي في فيلم تتغذى من دماء الناس كي تبقى هي حية.
وأكبر عنصر درامي في “أسطورة تندوف” هو الصراع بين الحقيقة والرواية المصنوعة.
فالحقيقة تقول إن المخيمات تضم خليطا سكانيا معقد من حيث تركبته الدجينة وأن الإحصاء ممنوع لأن كشف العدد الحقيقي سيفجر الرواية من أساسها.
الرواية الدعائية بالمقابل تروج حكاية شعب في المنفى رغم أن جزءاً كبيراً من هذا الشعب وُلِد في الجزائر ولا يعرف شيئا عن الأرض التي يقال إنه يناضل من أجلها، وهكذا فالصراع بين الواقع والوهم كاف لصناعة ثلاث أفلام سينمائية لا فيلما واحدا.
والعقدة هنا ليست في المخيمات فقط بل في الزمن نفسه، فكيف يمكن لقصة أن تستمر 50 عاماً دون أن تتحرك رمال الصحراء وكيف يمكن لمأساة إنسانية أن تتحول إلى مشروع تجاري سياسي؟
هنا يكمن جوهر الفيلم الذي يتحدث عن إنسان مقهور وقيادة تحتجزه باسم قضية لم تحقق أي تقدم منذ منتصف السبعينات وقوى إقليمية تستثمر في استمرار التجميد.
في الجانب الآخر من المشهد يطرح المغرب قصة مختلفة تماماً تتكلم عن مشروع حكم ذاتي واقعي مقبول دولياً، مدعوم أممياً، ويقدم طريق الخلاص للناس.
في الفيلم يظهر المغرب كشخصية متزنة تحاول إغلاق الفصل بطريقة محترمة وتعيد للناس كرامتهم وتخرجهم من متاهة لا نهاية لها.
لكن الصعب عند أهل السينما سهل للغاية عندي، فكل فيلم عظيم يحتاج نهاية قوية وتندوف تقدم ذلك دون مجهود.
لماذا؟
ببساطة لأنه حين يقرر الناس في المخيمات كسر الصمت وحين يطالبون بالإحصاء وحين يخرجون أمام العالم ليقولوا: نحن لسنا قضية، نحن بشر. عندها سيتغير كل شيء، وعندها فقط ستسقط الأسطورة، ويبدأ الفصل الإنساني الجديد.
قصة تندوف ليست نزاعا إقليميا فقط بل ملحمة سينمائية واقعية تمتد عبر الزمان والمكان والشخصيات والتناقضات، إنها قصة تستحق أن تتحول إلى فيلم عالمي كبير، لا لتوثيق معاناة المخيمات فقط بل لكشف الحقيقة التي ظلت محتجزة لعقود تماما مثل سكانها.






