أمطار، سدود، صمت.. هكذا واجهت القصر الكبير أخطر اختبار مائي في تاريخها الحديث

شهدت مدينة القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة واحدة من أخطر المحطات الهيدرولوجية في تاريخها الحديث، عقب تساقطات مطرية استثنائية همّت شمال غرب المملكة، وتسببت في ارتفاع سريع ومقلق لمنسوب مياه وادي اللوكوس.

هذا الوضع دفع السلطات المحلية والإقليمية والوطنية إلى الانتقال التدريجي ثم المكثف إلى حالة تعبئة شاملة، شملت الوقاية، والإجلاء، وتقديم المساعدة للساكنة المعرّضة للخطر، في إطار تدبير أزمة اتسم بدرجات عالية من اليقظة والتنسيق المؤسسي.

ومع بداية الاضطراب الجوي، رفعت السلطات الإقليمية بإقليم العرائش مستوى التأهب إلى أقصاه بمدينة القصر الكبير، على خلفية الارتفاع المتسارع لصبيب وادي اللوكوس.

وشمل هذا الإجراء مختلف المتدخلين في منظومة تدبير المخاطر، من سلطات محلية وأمنية، ووكالة الحوض المائي للوكوس، والشركة الجهوية متعددة الخدمات، والمديرية الإقليمية للتجهيز والماء، إلى جانب جماعة القصر الكبير.

وتعقدت الوضعية أكثر بفعل بلوغ سد وادي المخازن نسبة امتلاء كاملة، نتيجة واردات مائية غير مسبوقة، ما فرض على القائمين على تدبيره اللجوء إلى تفريغات مائية مضبوطة للحفاظ على سلامة المنشأة وتفادي مخاطر بنيوية محتملة.

إجراءات استباقية ومراقبة ميدانية

أمام هذا المعطى، كثّف عامل إقليم العرائش، منذ يوم الثلاثاء، زياراته الميدانية للنقاط الحساسة على طول وادي اللوكوس، بالتوازي مع تعبئة شاملة للموارد البشرية واللوجستية. وتمثلت الإجراءات الوقائية الأولى في إقامة حواجز من الأكياس الرملية قرب الأحياء المهددة، وتنقية قنوات التطهير السائل، وتسريع تصريف مياه الأمطار في المناطق المنخفضة، إلى جانب توجيه نداءات متكررة للساكنة بضرورة التحلي باليقظة وتفادي المناطق الخطرة.

وأفادت وكالة الحوض المائي للوكوس أن إقليم العرائش سجّل معدل تساقطات تجاوز 600 ملم منذ شتنبر الماضي، وهو رقم استثنائي أدى إلى تشبع التربة وارتفاع الضغط على شبكات التطهير. كما أكدت الشركة الجهوية متعددة الخدمات تسجيل اختلالات في اشتغال الشبكات، استدعت نشر مضخات وتجهيزات إضافية لتفادي ارتداد المياه العادمة نحو المساكن.

تصاعد التدخلات وإجلاء واسع النطاق

ومع تسلل المياه إلى عدد من الأحياء المنخفضة، انتقلت التدخلات إلى مستوى أكثر كثافة، حيث جرى نشر فرق الوقاية المدنية مدعومة بالسلطات المحلية والإقليمية، في وقت خضعت فيه عمليات تفريغ السد لمراقبة دقيقة من طرف لجنة اليقظة الإقليمية.

وأفضى تطور الوضع إلى تعبئة مشتركة بين القوات المسلحة الملكية والسلطات المدنية، حيث جرى إشراك وحدات متخصصة في الإنقاذ، والدعم اللوجستي، والتدخل الطبي، تنفيذًا للتعليمات الملكية السامية الرامية إلى حماية الأرواح والممتلكات.

وشملت عمليات الإجلاء، التي نُفذت دون انقطاع، الأحياء المحاذية لوادي اللوكوس والمناطق المنخفضة داخل المدينة. وباستعمال قوارب إنقاذ وشاحنات مهيأة للتدخل في المناطق المغمورة، تم إجلاء أزيد من 20 ألف شخص نحو مناطق آمنة ومراكز إيواء مخصصة.

وسجّلت على المستوى الميداني تدخلات دقيقة لعناصر الوقاية المدنية ووحدات الهندسة العسكرية، شملت إنقاذ مواطنين عالقين في محيط مائي معقد. كما برزت مبادرات تضامنية تلقائية من الساكنة، خاصة من أصحاب الشاحنات والجرارات، الذين ساهموا في عمليات الإجلاء والدعم.

تنسيق وطني وإجراءات مرافقة

على الصعيد المركزي، عقدت اللجنة الوطنية لليقظة اجتماعًا بوزارة الداخلية، أشادت خلاله بالتعليمات الملكية للتدخل الفوري للقوات المسلحة الملكية، وأكدت ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات، مع الاستمرار في تتبع الوضع إلى حين تحسن الظروف الجوية.

وفي هذا السياق، أبرز وزير التجهيز والماء الجهود المبذولة لإعداد أطلس وطني للمناطق المهددة بالفيضانات، إلى جانب تطوير آليات التوقع والتدخل الاستباقي.

ومن جهتها، قررت المديرية الإقليمية للتعليم تعليق الدراسة من 2 إلى 7 فبراير بجميع مؤسسات القصر الكبير، وهو قرار همّ حوالي 35 ألف تلميذ، حفاظًا على سلامة التلاميذ والأطر التربوية، مع اعتماد التعليم عن بعد بشكل مؤقت.

كما أعلنت وزارة التجهيز والماء عن إغلاق مؤقت للطريق الوطنية رقم 1 والطريق الجهوية رقم 410 بسبب غمر المقاطع الطرقية بالمياه، مع تحديد مسارات بديلة لتأمين حركة السير.

محاربة الإشاعة واستمرار اليقظة

وبخصوص ما تم تداوله عبر شبكات التواصل الاجتماعي من إشاعات، نفت المديرية العامة للأمن الوطني بشكل قاطع تسجيل أي حالات سرقة أو نهب، مؤكدة الانتشار المتواصل لعناصرها لضمان أمن الأشخاص والممتلكات.

ورغم نجاح التدخلات في الحد من توسع رقعة الأضرار وتقليص الخسائر، تؤكد السلطات استمرار حالة اليقظة القصوى بمدينة القصر الكبير، في ظل تشبع التربة وارتفاع منسوب المياه البحرية وتدفقات مائية استثنائية، ما يفرض مواصلة التعبئة إلى حين عودة الأوضاع المناخية إلى طبيعتها