أعاد قرار المحكمة الدستورية رقم 261/25 ملف إصلاح قطاع الصحافة إلى إطاره الدستوري السليم، بعد مرحلة اتسمت بالتوتر التشريعي ومحاولات فرض تصور أحادي لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، انتهت بإسقاط عدد من المقتضيات الجوهرية الواردة في القانون رقم 026.25، بناءً على إحالة برلمانية استندت إلى الفصل 132 من الدستور.
ولا يكتسي هذا القرار أهميته فقط من حيث نتائجه المباشرة، بل من حيث دلالاته العميقة على مستوى فلسفة الإصلاح، وحدود تدخل المشرّع، وطبيعة التنظيم الذاتي كمبدأ دستوري لا يقبل التفريغ أو الالتفاف.
فالمحكمة الدستورية لم تتعامل مع النص المطعون فيه كحزمة تقنية معزولة، بل قرأته في ضوء الوظيفة الدستورية للصحافة باعتبارها فضاءً للتعددية، وركيزة من ركائز الخيار الديمقراطي.
في جوهره، يعكس القرار موقفاً دستورياً حازماً من محاولة إعادة هندسة المجلس الوطني للصحافة بمنطق تشريعي يقوم على إعادة توزيع موازين القوة داخل المجلس، بدل ترسيخ منطق الشراكة المهنية المتكافئة. إذ اعتبرت المحكمة أن ترجيح كفة فئة الناشرين عددياً على حساب الصحافيين المهنيين يُخلّ بالتوازن البنيوي المفترض داخل هيئة تنظيم ذاتي، تقوم فلسفتها على التكافؤ لا على الغلبة العددية، وعلى التعايش لا على الهيمنة.
كما شددت المحكمة على أن حصر التمثيلية في منظمة مهنية واحدة يُشكل مساساً مباشراً بمبدأ التعددية، باعتباره مبدأً دستورياً مؤسساً لا يحتمل التأويل الضيق أو التكييف الظرفي. فالتعددية، في تصور القضاء الدستوري، ليست خياراً تنظيمياً، بل ضمانة جوهرية لحرية التعبير واستقلال المهنة.
ولم يتوقف فحص المحكمة عند حدود التمثيلية، بل امتد إلى هندسة الحكامة والانضباط المهني داخل المجلس، حيث أسقطت مقتضيات همّت لجنة الاستئناف التأديبية، على أساس أن الجمع بين مهام أخلاقية ووظائف تقريرية ذات طابع تأديبي يخل بمبدأ الحياد، ويُضعف ضمانات المحاكمة العادلة، حتى داخل الهيئات المهنية غير القضائية. وهو توجه يعكس توسعاً محموداً في استحضار معايير العدالة الإجرائية خارج الإطار القضائي الصرف.
في المقابل، حرصت المحكمة على عدم الانزلاق نحو الحلول محل المشرّع، فأقرت دستورية عدد من المواد المرتبطة بآليات الانتداب وشروط العزل، معتبرة أنها تدخل في نطاق السلطة التقديرية للبرلمان، متى توفرت الضمانات الإجرائية وفتح باب الطعن القضائي. وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين حماية الدستور واحترام مبدأ فصل السلط.
القرار، في مجمله، يبعث برسالة واضحة مفادها أن إصلاح الصحافة لا يمكن أن يتم بمنطق التحكم أو إعادة هندسة التوازنات الداخلية للمجلس وفق اعتبارات سياسية أو مصلحية، بل يجب أن ينطلق من احترام جوهر التنظيم الذاتي، والتعددية، والاستقلالية، كما كرسها دستور 2011. وهو ما يجعل من هذا الحكم بمثابة فرملة دستورية لمحاولة فرض وصاية تشريعية مقنّعة على قطاع يُفترض فيه أن يكون مستقلاً بطبيعته ووظيفته.
في هذا السياق، اعتبر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن قرار المحكمة الدستورية جاء منسجماً مع التحذيرات التي أطلقتها المعارضة منذ بداية المسار التشريعي، مؤكداً أن إسقاط المقتضيات المتعلقة بتأليف المجلس يعكس خللاً بنيوياً في فلسفة النص، لا عيوب تقنية.
وربط بووانو جوهر الإشكال بعدم احترام مبدأ الاستقلالية، وبغياب التناسب بين مكونات المجلس، خصوصاً في ما يتعلق بتمثيلية الناشرين.
ووسّع بووانو دائرة النقد لتشمل الأداء التشريعي للحكومة ككل، معتبراً أن هذا القرار يكشف أعطاباً عميقة في منهجية التشريع، تتجلى في غياب التخطيط التشريعي، وتكريس منطق الأغلبية العددية، واللجوء المتزايد إلى المراسيم، مقابل تهميش مبادرات المعارضة، وهو ما اعتبره مؤشراً على تعثر مسار تنزيل الدستور.
من جهته، اعتبر حزب التقدم والاشتراكية أن قرار المحكمة الدستورية يشكل انتصاراً صريحاً لروح الدستور ولمبادئ التنظيم الذاتي المستقل والديمقراطي لمهنة الصحافة، وتتويجاً لترافُعه المتواصل ضد هذا النص منذ أن كان مجرد مشروع.
وسجل الحزب أن إسقاط المواد الجوهرية يؤكد صحة التحذيرات التي أطلقها بشأن مخاطر تقويض التعددية، وترجيح منطق التحكم على حساب الديمقراطية المهنية.
وأكد الحزب أن عدم دستورية المقتضيات المتعلقة بتركيبة المجلس، وبطريقة إعداد التقرير السنوي، وباحتكار التمثيلية، وبانتخاب الرئيس ونائبه، فضلاً عن خرق مبدأ الحياد داخل أجهزة التأديب، تمس صلب النص وتفرغه من فلسفته، ما يجعل العودة إلى تعديلات جزئية غير كافية.
وبناءً على ذلك، دعت المعارضة، بمختلف مكوناتها، الحكومة إلى تحمل مسؤوليتها الدستورية والسياسية، وفتح نقاش جديد من البداية، وفق مقاربة تشاركية حقيقية، تُشرك الصحافيين والناشرين والهيئات المهنية والحقوقية، وتستحضر التجربة المغربية في التنظيم الذاتي منذ دستور 2011، إلى جانب المعايير الدولية، من أجل بلورة مشروع قانون يضمن استقلال الصحافة، ويحمي التعددية، ويصون حرية التعبير باعتبارها جوهر الخيار الديمقراطي.
بهذا المعنى، لا يُعد قرار المحكمة الدستورية فقط حكم في نزاع تشريعي، بل محطة مفصلية في معركة دستورية حول معنى الإصلاح، وحدود السلطة، ومكانة الصحافة في البناء الديمقراطي.






