في المشهد السياسي المغربي قلما يمر اسم إدريس لشكر دون أن يثير الجدل.
لكن الجدل هذه المرة لم يعد مرتبطا فقط بخياراته السياسية بل بأسلوب بات ينظر إليه على أنه رقصة التانغو محسوبة الخطوات خطوة مع خطاب الدفاع عن الحريات، وخطوة أخرى في اتجاه المصالح والاصطفافات الرمادية، في مشهد يوحي باللعب على الحبلين أكثر مما يوحي بالوضوح والمبدئية.
بصفته الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يحرص إدريس لشكر على الظهور في موقع المدافع عن حرية الصحافة واستقلاليتها، و الحزب عبر، رسميا ونيابيا عن تحفظات قوية بخصوص القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة، معتبرا أن بعض مقتضياته تمس جوهر حرية التعبير وتفتح الباب أمام التحكم السياسي في الإعلام.
هذا الخطاب على الورق ينسجم مع تاريخ الحزب وشعاراته الكبرى ويقدم كامتداد لنَفَس حقوقي طالما تغنّى به ادريس لشكر.
غير أن الصورة سرعان ما تتشوش حين ننتقل من منصة البرلمان إلى كواليس قطاع الإعلام، هنا يظهر لشكر بوجه آخر داعم ضمنيا أو عمليا لمسار تنظيم المجلس الوطني للصحافة ومتسامح مع منطق الدعم العمومي وتوزيعه بل ومستفيد من توازنات تضمن استقرار المؤسسات الإعلامية القريبة من دوائر النفوذ.
في هذه المنطقة الرمادية تختفي لغة المبادئ وتعلو لغة الحسابات، و يصبح القانون ضروريًا والتنظيم ملحا والدعم حقا مكتسبا حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقلالية التي دافع عنها الخطاب السياسي قبل أسابيع.
ما يحدث لا يمكن اعتباره مجرد سوء تفاهم أو التباس عابرزبل أسلوب اشتغال وخطاب موجه للرأي العام وقواعد الحزب وآخر موجه لمراكز القرار وشبكات المصالح.
إنها رقصة تانغو سياسية بامتياز حيث يتقن الراقص تغيير الإيقاع دون أن يغادر الحلبة.
هذا السلوك هو ما فجر موجة انتقادات واسعة وفتح الباب أمام اتهامات بالازدواجية والانتهازية السياسية.
ورغم أن توصيفات من قبيل “الفصام” تبقى مبالغًا فيها إلا أن الازدواج في المواقف لم يعد مجرد انطباع بل أصبح معطى متداولًا تدعمه الوقائع.
المشكلة في العمق، ليست في تشابه الأسماء أو في سوء الفهم بل في غياب خط فاصل واضح بين ما هو مبدئي وما هو مصلحي.
فحين يصبح السياسي هو نفسه جزءًا من شبكة تستفيد من قوانين يقول علنا إنه يرفضها فإن الأزمة تتحول من نقاش قانوني إلى أزمة مصداقية.
في النهاية، لا يحاسَب السياسي على قدرته على المناورة، بل على قدرته على الثبات.
وإلى أن يحسم إدريس لشكر خياره بين خطابين سيظل في نظر كثيرين رمزًا لسياسة اللعب على الحبلين ولو على إيقاع رقصة التانغو.






