كشفت مجلة Le Livre Hebdo الفرنسية، في تقرير صدر يوم أمس الثلاثاء، عن تحول لافت في المشهد الثقافي واللغوي المغربي، حيث تواصل اللغة الفرنسية فقدان بريقها أمام صعود الإنجليزية، خاصة لدى الأجيال الشابة والطلبة. التقرير، الذي حمل عنوان “المغاربة يطوون صفحة الفرنسية”، أشار إلى أن هذا التحول لا يقتصر فقط على ميادين التعليم والتواصل، بل أصبح ملموساً أيضاً في قطاع النشر، حيث تسجل المؤلفات باللغة الإنجليزية إقبالاً متزايداً، مقابل تراجع مبيعات الكتب الفرنسية في كبرى المكتبات المغربية مثل Livremoi ودور النشر المحلية كـ La Croisée des Chemins وLe Fennec.
التقرير يربط هذا التحول بالإصلاحات التي باشرها المغرب في السنوات الأخيرة، وأبرزها إدماج تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الإعدادية، مما عزز مكانتها لدى الجيل الجديد. وتنقل المجلة عن ربيعة رضاوي، المحاضِرة في المعهد الثقافي الفرنسي بالمغرب، قولها إن “الإنجليزية هي لغة وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أكثر بساطة مقارنة بالفرنسية، التي لا تزال تُدرّس بشكل متأخر وبطرق تقليدية في المدارس العمومية”، وهو ما يفسر التراجع المتواصل في إقبال الشباب عليها.
من جهة أخرى، يؤكد ياسين الرتناني، مدير دار La Croisée des Chemins وصاحب مكتبة Carrefour des livres، أن جائحة كوفيد-19 كشفت عن أهمية التنويع اللغوي في سوق الكتب، قائلاً: “كنا فرانكفونيين طوال ثلاثين سنة، لكن خلال الجائحة أنقذنا أنفسنا عبر توسيع رواق الإنجليزية والعربية”، في إشارة إلى التحول التجاري الذي بدأ يفرض نفسه في ساحة النشر المغربية.
رغم هذا الواقع، شارك المغرب كضيف شرف في معرض باريس للكتاب، وهي خطوة اعتبرتها المجلة ذات طابع دبلوماسي أكثر منها ثقافي، خصوصاً بعد زيارة ماكرون الأخيرة إلى المغرب التي أنهت جموداً طويلاً في العلاقات بين البلدين. لكن هذا الحضور، في نظر الكثيرين، لا يعكس حقيقة مكانة اللغة الفرنسية في المملكة. وتقول إحدى بائعات الكتب في الدار البيضاء: “عندما يزور المغاربة فرنسا، يدركون حجم العنصرية التي يعاني منها أبناء المغرب الكبير هناك”، في إشارة إلى العلاقة المتوترة التي أصبحت تربط الجالية المغاربية بالثقافة الفرنسية.
وفي محاولة لإنعاش المحتوى المحلي باللغة الفرنسية، أطلق الرتناني، بشراكة مع إحدى مدارس الإدارة، سلسلة كتب تروّج لقصص نجاح مغربية، رغبةً في تقليل الاعتماد على النماذج الأجنبية، خاصة الأمريكية منها. إلا أن مثل هذه المبادرات لا تزال محدودة في ظل التحديات البنيوية التي يواجهها قطاع النشر.
التقرير كشف أيضاً عن أزمات أعمق تضرب صلب هذا القطاع، أبرزها غياب التعاون بين المكتبات ودور النشر. ليلى بوشعوني، مديرة دار Le Fennec، أعربت عن استغرابها من استمرار المكتبات في استيراد الكتب من فرنسا بأسعار تصل إلى 200 درهم، في الوقت الذي تعرض فيه دور النشر المغربية نفس الكتب بطبعات محلية لا يتجاوز سعرها 10 دراهم. وبررت بعض المكتبات هذا التفضيل بالفرق في نوعية الورق، فيما يرى بائع كتب أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن أغلفة الكتب المحلية “لا تثير الانتباه ولا تحفّز على الشراء”.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى أزمة جاذبية المهنة نفسها. ففي بلد ما تزال فيه نسبة الأمية تقارب 28%، يلاحظ الناشرون عزوفاً متزايداً من قبل الشباب عن التوجه نحو مهن النشر والطباعة، مقابل إقبال أكبر على مجالات مثل التسويق والمالية، وهو ما يهدد مستقبل القطاع برمّته، حسب بوشعوني.
التقرير أشار أيضاً إلى تراجع عدد المكتبات في المدن الكبرى، فمدينة الدار البيضاء التي كانت تضم حوالي 65 مكتبة سنة 1987، لا يتجاوز عدد مكتباتها اليوم 15 فقط، ما يعكس التحديات المتراكمة التي تحاصر هذا القطاع الثقافي الحيوي. ورغم هذه الصورة القاتمة، يظل هناك بصيص من الأمل يتمثل في مبادرات جديدة، مثل الانفتاح على القصص المصورة لجذب جمهور شاب، رغم ضعف عدد المبدعين المغاربة في هذا المجال، إضافة إلى دينامية بعض الكتّاب الذين يعملون على خلق فضاءات ثقافية حية، كما هو الحال مع “نادي الكتاب” الذي أطلقته مجموعة Le Matin منذ ثلاث سنوات كمبادرة لتشجيع النقاش والتبادل حول القراءة والكتب.
في المحصلة، يبدو أن الفرنسية لم تعد تحتل موقعها السابق في المشهد الثقافي المغربي، في وقت تواصل فيه الإنجليزية التسلل بثبات إلى العقول والقلوب، بدفع من المدرسة، والسوق، وشبكات التواصل.