تفيد المؤشرات الاقتصادية المسجلة خلال سنة 2025 بدخول الاقتصاد المغربي مرحلة جديدة تتسم بتزامن محركات النمو وتنوعها، في تحول يعكس تحسنًا ملموسًا في أداء عدد من القطاعات الحيوية. فقد سجّل القطاع السياحي نتائج غير مسبوقة باقتراب عدد الوافدين من عتبة 20 مليون سائح، وهو معطى يتجاوز البعد الظرفي ليعكس تطورًا هيكليًا في المنظومة السياحية، شمل توسيع الطاقة الإيوائية، وتحسن الربط الجوي، وتنويع العرض السياحي.
وأسفرت هذه الدينامية عن ارتفاع ملحوظ في المداخيل السياحية من العملة الصعبة، يُرتقب أن تتجاوز 130 مليار درهم، ما من شأنه دعم ميزان الأداءات، وتخفيف الضغط على احتياطي النقد الأجنبي، ومنح السياسة النقدية هامشًا أوسع للتدخل.
وبموازاة الأثر المباشر، سجّل القطاع السياحي انعكاسات غير مباشرة على الاقتصاد الوطني، من خلال تحفيز الاستثمار الخاص في مجالات الفندقة والخدمات والنقل، وخلق فرص شغل جديدة، خصوصًا لفائدة الشباب والنساء، إضافة إلى المساهمة في تنمية مجالية أكثر توازنًا. كما ساهمت هذه الدينامية في تعزيز الطلب الداخلي ورفع مردودية الإنفاق العمومي المرتبط بالبنيات التحتية.
في المقابل، أظهرت معطيات استهلاك الإسمنت، التي بلغت حوالي 14,8 مليون طن خلال 2025، عودة قوية لدورة الاستثمار في قطاع البناء والأشغال العمومية، مسجلة أعلى مستوى لها منذ أكثر من 12 سنة. ويعكس هذا التطور انتعاشًا متزامنًا لثلاثة مجالات رئيسية، تشمل السكن، والمشاريع العمومية الكبرى والبنيات التحتية، إلى جانب الاستثمار الخاص الصناعي والخدماتي.
ويُتوقع أن يكون لهذا الانتعاش أثر إيجابي سريع على النمو والتشغيل، بالنظر إلى كثافة اليد العاملة التي يتميز بها القطاع، وتشابكاته الواسعة مع قطاعات الصناعة التحويلية والنقل والخدمات الهندسية.
وبخصوص آفاق سنة 2026، تشير التوقعات إلى إمكانية ترسيخ هذا المنحى الإيجابي في حال استمرار الدينامية الحالية. فعلى مستوى السياحة، يُرجح أن يتحول المستوى القياسي لعدد الوافدين إلى قاعدة جديدة، مع آفاق لتجاوزه بفضل مواصلة توسيع الطاقة الإيوائية، وتعزيز الربط الجوي، وارتفاع متوسط الإنفاق الفردي، ما سيُسهم في تحسين جودة النمو وتعزيز مساهمة القطاعات القابلة للتصدير في خلق القيمة.
أما في قطاع البناء، فتفيد المؤشرات المتقدمة بإمكانية الحفاظ على مستويات مرتفعة لاستهلاك الإسمنت أو تحقيق زيادات إضافية خلال 2026، مدفوعة باستمرار برامج الاستثمار العمومي، وتسارع مشاريع البنية التحتية، وتحسن ثقة الفاعلين الاقتصاديين. ومن شأن هذا السيناريو دعم توقعات نمو أعلى، والمساهمة في تقليص معدلات البطالة، وتعزيز الطلب الداخلي خلال المرحلة المقبلة.






