عاد حزب العدالة والتنمية ليثير جدلا سياسيا واسعا، بعد إعلانه رفض “خطة العمل المشتركة 2026” بين المغرب وإسرائيل، ودعوته الصريحة إلى إلغاء التطبيع، في موقف يتناقض بشكل مباشر مع مسؤوليته السياسية والتاريخية في توقيع اتفاق التطبيع عندما كان يقود الحكومة.
فالحزب الذي يتبنّى اليوم خطابا رافضا للتطبيع، هو نفسه الذي وقع الاتفاق الثلاثي نهاية سنة 2020، حين كان سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة وأمينًا عامًا للحزب، وهو ما جعل توقيعه آنذاك يُقدَّم باعتباره قرار دولة تتحمل مسؤوليته الحكومة التي كان الحزب يقودها.
هذا التحول في الموقف يضع الحزب أمام مفارقة سياسية واضحة: كيف لحزب تحمّل مسؤولية التوقيع على التطبيع أن يتحوّل اليوم إلى معارض شرس له، دون تقديم مراجعة نقدية صريحة أو تحمّل مسؤولية سياسية واضحة عن قراراته السابقة؟
في بلاغها الأخير، برّرت الأمانة العامة للحزب موقفها الجديد بالتصعيد العسكري في غزة، واستمرار استهداف المدنيين، وعرقلة جهود الإغاثة الإنسانية، إلى جانب ما وصفته بالرفض الشعبي الواسع للتطبيع، مستندة إلى نتائج استطلاعات رأي حديثة تؤكد تراجع التأييد الشعبي لهذا المسار.
غير أن هذا التبرير، في نظر متابعين، لا يعفي الحزب من مساءلة سياسية وأخلاقية، خاصة أن التطبيع لم يكن قرارًا تقنيًا عابرًا، بل خيارًا استراتيجيًا دافع عنه الحزب ضمنيًا وهو يقود السلطة التنفيذية، قبل أن ينتقل اليوم إلى موقع المعارضة بخطاب مغاير تمامًا.
ويرى محللون أن هذا التناقض يعكس إشكالًا أعمق في الممارسة الحزبية، حيث يُعاد تشكيل الخطاب السياسي تبعًا لموقع الحزب في السلطة أو خارجها، أكثر مما يُبنى على مواقف مبدئية ثابتة.
فبين توقيع الاتفاق والدعوة اليوم إلى إلغائه، لم يقدّم الحزب اعتذارًا سياسيًا واضحًا، ولا تفسيرًا مقنعًا للرأي العام حول أسباب هذا التحول الجذري.
وبينما يجد الحزب نفسه اليوم منسجمًا مع المزاج الشعبي الرافض للتطبيع، فإن ذاكرة المغاربة السياسية ما تزال تستحضر مشهد توقيع الاتفاق، وهو ما يجعل خطاب الرفض الحالي محفوفًا بشبهة التناقض وفقدان المصداقية لدى شريحة واسعة من الرأي العام.






