“العمران” واللغز الكبير.. أين تبخّرت أموال السكن الاجتماعي بمراكش؟

في ملف يختزل اختلالات عميقة في تدبير السكن الاجتماعي ويطرح أسئلة محرجة حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تفجّر مشروع “الغالي” بحي المسيرة 3 بمراكش كأحد أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل، بعدما تحوّل حلم مئات الأسر في سكن لائق إلى مسار طويل من الانتظار والغموض والخسائر المالية.

فبين شبهات تبديد المال العام، وغياب الشفافية في تفويت العقار، وتراكم شكايات المستفيدين منذ سنوات، عاد الملف إلى الواجهة بقوة، مدفوعاً بتحذيرات حقوقية تدق ناقوس الخطر وتطالب بتدخل عاجل يعيد الاعتبار للحق في السكن، ويضع حداً لمسار يهدد ثقة المواطنين في برامج السكن الاجتماعي ومؤسسات تدبيره.

وفي هذا الصدد، دقت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المنارة مراكش، جرس الإنذار بخصوص ملف اعتبرته من أعقد ملفات السكن الاجتماعي بالمدينة الحمراء، لما ينطوي عليه من شبهات ثقيلة تتعلق بتبديد المال العام وضياع حقوق مئات الأسر، ويتعلق الأمر بمشروع “الغالي” للسكن الاجتماعي والاقتصادي بحي المسيرة 3، حيث يظل أزيد من 550 مستفيداً ومستفيدة عالقين في وضعية غامضة منذ سنوات، وسط اختفاء مبالغ مالية مهمة واستمرار الصمت الرسمي.

وفي مراسلة رسمية وُجهت إلى رئيس الحكومة وعدد من الوزراء والمسؤولين المركزيين، من بينهم وزير الداخلية ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وكذا المدير العام لمؤسسة العمران، كشفت الجمعية أن المشروع أُنجز في سياق يثير شكوكا جدية حول سلامة المساطر واحترام القوانين المؤطرة للسكن الاجتماعي.

وأوضحت أن عقاراً تابعاً لمؤسسة العمران جرى تفويته لمنعش عقاري بثمن مرجعي حُدد في 31 مليون درهم، في حين لم يؤد هذا الأخير سوى مبلغ يقارب 3 ملايين درهم، مع استفادته من تسهيلات وامتيازات وصفتها الجمعية بغير المبررة.

ووفق المعطيات الواردة في الملف الحقوقي، فإن هذا الوضع سمح للمنعش بتسويق الشطر الأول من المشروع وبيع الشقق في غياب مراقبة صارمة، ما فتح الباب أمام اختلالات خطيرة، كان ضحيتها مواطنون من ذوي الدخل المحدود.

وأبرزت الجمعية أن معاناة المتضررين تعود إلى سنة 2017، حيث ظلوا ينتظرون تسلم مساكنهم دون جدوى، رغم استيفائهم للشروط القانونية وأدائهم مبالغ مالية متفاوتة، بلغ بعضها السقف الكامل المحدد للاستفادة من دعم السكن الاجتماعي.

وأضافت أن عدداً من المستفيدين لم يتوصلوا بأي عقود أو وثائق رسمية تحدد وضعيتهم القانونية أو أرقام شققهم، مع تسجيل حالات حجز الشقة نفسها لأكثر من شخص، إلى جانب ممارسات وصفت بالابتزاز، تمثلت في مطالبة بعض الأسر بأداء مبالغ إضافية غير منصوص عليها، وربط تسوية ملفاتهم بإجبارهم على التعاقد مع شركة تجهيز تعود ملكيتها، حسب البلاغ، لأحد أقارب صاحب المشروع.

وسجلت الهيئة الحقوقية أن الأشغال الأساسية عرفت توقفاً متكرراً، قبل أن يختفي المنعش العقاري عن الأنظار بعد تحقيق مكاسب مالية معتبرة، في وقت استمرت فيه معاناة الأسر المتضررة دون حلول جذرية.

وانتقدت الجمعية ما وصفته بالحلول الترقيعية، وعلى رأسها الحديث عن تنظيم قرعة لفائدة عدد محدود من المستفيدين، معتبرة أن ذلك لا يعالج جوهر الأزمة ولا يضمن إنصاف جميع الضحايا أو استرجاع الأموال العمومية والخاصة المهدورة.

وحمّلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مؤسسة العمران مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، معتبرة أن الملف يشكل مساساً خطيراً بالحق في السكن اللائق المكفول دستورياً، ويعكس مظاهر مقلقة للإفلات من المحاسبة.

وطالبت بتدخل عاجل وحاسم لإنصاف جميع المتضررين دون استثناء، وفتح افتحاص مالي وإداري شامل للمشروع، وترتيب المسؤوليات القانونية، واسترجاع الأموال والامتيازات التي منحت خارج إطار القانون.