بينما كانت السيول تجتاح الحقول، وتُغرق المحاصيل، وتترك الفلاح الصغير وحيدا في مواجهة الخسارة، اختار بنك القرض الفلاحي للمغرب الظهور عبر بلاغات دعم مُنمّقة، تَعِد بالمواكبة وتُكثر من المصطلحات دون أن تُقدّم، إلى حدود الساعة، ما يُقنع بأن تدخله يرتقي إلى حجم الكارثة.
ففي القرى المتضررة، لا تُقاس الأزمة بعدد البيانات الصادرة، بل بقدرة السياسات العمومية والمؤسسات البنكية على إنقاذ مصادر العيش، وهو ما يجعل إجراءات البنك، كما أُعلن عنها، محل تشكيك واسع حول جدواها وأثرها الفعلي خارج الورق.
إن الإجراءات التي قدّمها بنك القرض الفلاحي للمغرب، ورغم تغليفها بمفردات “المواكبة” و”القرب” و”المرونة”، تبدو أقرب إلى تدابير إدارية اعتيادية، أُعيد تسويقها في لحظة أزمة كبرى، دون أن ترقى إلى مستوى استجابة استثنائية تفرضها طبيعة الظرف، حيث أن الإعفاء المؤقت من مصاريف تحويل الحوالات، الذي جرى تقديمه كإجراء اجتماعي عاجل، لا يلامس جوهر الأزمة، ولا يقدّم أي إجابة عن الخسائر الفادحة التي لحقت بالفلاحين الصغار، الذين فقدوا مصدر عيشهم بالكامل ولم يعودوا في حاجة إلى تحويلات مالية، بل إلى تعويضات حقيقية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.
أما ما سُمّي بـ”تسهيلات الأداء حسب كل حالة”، فيعيد إنتاج منطق بنكي تقليدي قائم على الانتقائية والتقدير الإداري، ويحوّل الدعم إلى مسار معقّد تحكمه شروط الملاءة والضمانات. هذا المنطق، في سياق كوارث طبيعية، لا يخدم سوى الفئات القادرة أصلًا على الولوج إلى التمويل، فيما يُقصي تلقائيا صغار الفلاحين وساكنة القرى الهشة، الذين لا يتوفرون على ملفات ائتمانية متوازنة ولا على ضمانات بنكية، ويُفترض أن يكونوا في صلب أي سياسة دعم.
الأكثر إثارة للجدل يتمثل في رهان بنك القرض الفلاحي للمغرب على “تعبئة التمويلات” لتمكين الفلاحين من استئناف أنشطتهم، وكأن الحل الوحيد المقترح هو القرض، ولو في ظرف استثنائي، حيث أن تمويل إعادة الانطلاق عبر مزيد من المديونية، دون الحديث عن إلغاء الديون أو تعليق الفوائد أو تعويض الخسائر، يكشف حدود المقاربة المعتمدة، ويطرح سؤال الدور الحقيقي لبنك القرض الفلاحي للمغرب، هل هو مؤسسة عمومية ذات وظيفة تنموية واجتماعية، أم فاعل بنكي يشتغل بمنطق تقليص المخاطر حتى في عز الكوارث؟
ويُسجَّل، في هذا السياق، غياب أي إجراءات واضحة أقرها بنك القرض الفلاحي للمغرب تستهدف الفلاح الصغير بشكل مباشر، سواء عبر دعم غير مسترد، أو برامج إنقاذ خاصة، أو تدخلات مالية عاجلة تُراعي هشاشة هذه الفئة التي تمثل العمود الفقري للقطاع الفلاحي الوطني.
كما لم يقدّم البنك أي معطيات دقيقة حول عدد المستفيدين المتوقعين، أو حجم التمويلات المعبّأة فعليا، أو الآجال الزمنية للتدخل، ما يعزز الانطباع بأننا أمام إعلان تواصلي أكثر منه خطة عمل قابلة للتنفيذ والتتبع.
في واقع الأمر، تبدو هذه الإجراءات، في نظر عدد من الفلاحين الصغار، بعيدة عن ملامسة معاناة الساكنة القروية التي وجدت نفسها فجأة أمام انهيار موردها الوحيد، في غياب شبكات أمان اجتماعي فعالة، حيث أن أزمة الفيضانات لا تُدار بتسهيلات أداء، ولا تُواجَه بإعفاءات ظرفية من مصاريف ثانوية، بل بسياسات إنقاذ واضحة، سريعة، وشجاعة، تعترف بحجم الخسارة قبل الحديث عن إعادة التمويل.
إن المناطق القروية المنكوبة لا تحتاج إلى إعفاءات ظرفية ولا إلى لغة المواكبة المجردة من الأثر، بل إلى تدخل مالي حقيقي يُترجم على الأرض في شكل دعم مباشر، وجدولة عادلة للديون، وتمويل فعلي لإعادة الإعمار الفلاحي.
أما الاكتفاء بإجراءات محدودة الأثر، تُسوَّق إعلاميا في لحظة أزمة وطنية، فلا يغيّر من واقع الفلاح الصغير شيئا، ولا يحمي سلاسل الإنتاج، ولا يعكس الدور المنوط بمؤسسة يفترض أنها ذراع الدولة في حماية الأمن الغذائي. ما لم تتحول هذه الوعود إلى قرارات ملموسة تصل إلى الحقول قبل الكاميرات، سيبقى تدخل القرض الفلاحي جزءًا من أزمة التدبير، لا من حلّها.






