القنب الهندي الطبي.. هل يستطيع المغرب اعتلاء صدارة الريادة العالمية؟

مع التفعيل التدريجي لمضامين القانون رقم 13-21، يسرّع المغرب وتيرة تطوير القنب الهندي المخصص للاستعمالات الطبية، في مسار يجمع بين التقدم العلمي، وبناء منظومة صناعية متكاملة، وطموحات واضحة للتموقع على الصعيد الدولي. وبينما تؤكد المؤشرات الأولية توفر إمكانات واعدة، لا تزال هذه السلسلة الناشئة تواجه تحديات تنظيمية واقتصادية واجتماعية، في مرحلة تتسم بتشييد نموذجها الهيكلي.

ويشهد ملف القنب الهندي الطبي بالمغرب زخماً متزايداً، في سياق تنزيل القانون المنظم للاستعمالات المشروعة للنبتة، وهو ما جعله محور نقاشات علمية ومؤسساتية متقدمة، من بينها يوم دراسي احتضنته جامعة محمد السادس لعلوم الصحة، بشراكة مع مركز محمد السادس للبحث والابتكار، وجمع أطباء وباحثين ومنظمين ومهنيين لمناقشة التطبيقات السريرية والآفاق العلاجية لمركبات الكانابيديول (CBD) بالمغرب.

وخلال هذا اللقاء، أكد المدير العام للوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي أن نجاح التجربة المغربية رهين بالفصل الصارم بين المعطيات العلمية المثبتة والانطباعات أو الإشاعات المتداولة.

واعتبر أن المغرب بلغ مرحلة مفصلية مع اعتماد أول توصيات رسمية تؤطر وصف أدوية مشتقة من القنب الهندي القائم على الـCBD، في خمس تخصصات طبية تشمل الطب الباطني، وطب الأعصاب، والأمراض الجلدية، وطب الشيخوخة، وطب الجهاز الهضمي للأطفال.

وأوضح المسؤول ذاته أن هذا المسار مرشح للتوسع ليشمل تخصصات إضافية، من قبيل طب الأورام والطب النفسي، التي تخضع حالياً للتقييم. وعلى المستوى الصناعي، أشار إلى أن 109 منتجات قائمة على الـCBD يتم تصنيعها وتسجيلها حالياً بالمغرب، وتوزيعها عبر أزيد من 600 نقطة بيع وطنياً، ما يعكس تقدماً ملموساً في بناء هذه السلسلة الإنتاجية.

وتعزز هذه المؤشرات ما خلصت إليه دراسة علمية حديثة منشورة على منصة “ScienceDirect”، والتي اعتبرت أن المغرب بات يتوفر على مقومات علمية وتشريعية وصناعية تؤهله للعب دور إقليمي محوري في البحث والتطوير وإنتاج الأدوية المعتمدة على القنب الهندي الطبي.

ووفق الدراسة ذاتها، تمثل سنة 2025 محطة حاسمة مع الإعلان عن تسويق أول دواء مغربي قائم على القنب الهندي الطبي، وهو دواء جنيس يعتمد على الكانابيديول وموجه لعلاج حالات الصرع المقاوم للعلاجات التقليدية، خاصة لدى الأطفال.

واعتبر الباحثون أن هذا التطور يعكس انتقال المغرب من مرحلة التقنين النظري إلى التجسيد الصناعي الفعلي داخل منظومة دوائية متكاملة.

وفي السياق ذاته، شكل توقيع شراكة بين جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية والوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي خطوة استراتيجية لتعزيز البحث العلمي، وتقريب المجال الأكاديمي من الصناعة الدوائية.

وأبرزت العروض العلمية المقدمة خلال اليوم الدراسي الإمكانات العلاجية الواعدة لمركبات القنب الهندي، خاصة في مجالات تدبير الألم، والاضطرابات العصبية والنفسية، وبعض أنواع السرطان، وأمراض العيون. كما تم التطرق إلى تنوع الأشكال الصيدلانية الممكن تطويرها، من محاليل فموية وكبسولات، إلى بخاخات، ولاصقات جلدية، وأغشية فموية، وعلكات طبية، وأجهزة استنشاق.

وأكد الباحثون أن قوة الصناعة الدوائية الوطنية، لاسيما في مجال الأدوية الجنيسة، ووجود وحدات إنتاج محلية، يشكلان قاعدة صلبة لإدماج القنب الهندي الطبي في سلاسل الإنتاج الوطنية، وتقليص التبعية للاستيراد، وتطوير منتجات ذات قيمة مضافة عالية. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطاً بقدرة البحث العلمي على عزل المركبات وتوحيد معاييرها وفق الضوابط الدولية.

وأشاروا إلى أن المركب الفعال الرئيسي، دلتا-9-تتراهيدروكانابينول (THC) المعروف دوائياً باسم “درونابينول”، يختلف في خصائصه عن مركبات أخرى مثل CBD وCBN، ما يستوجب تطوير بروتوكولات دقيقة للاستعمال الطبي.

وعلى الصعيد الدولي، ذكّرت الدراسة بأن عدداً محدوداً فقط من الأدوية المشتقة من القنب الهندي خضع لتجارب سريرية صارمة، غير أن بعضها حاز ترخيص هيئات تنظيمية كبرى، من بينها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية والوكالة الأوروبية للأدوية، لعلاج فقدان الشهية المرتبط بفيروس السيدا، والغثيان الناتج عن العلاج الكيميائي، وبعض نوبات الصرع.

إلى جانب البعد الصحي، أبرزت الدراسة الإمكانات الاقتصادية للقطاع، حيث يطمح المغرب إلى اقتناص ما بين 10 و15 في المائة من السوق الأوروبية في أفق 2028، بعائدات سنوية محتملة تتراوح بين 420 و620 مليون دولار، مع ما يرافق ذلك من فرص شغل وتحفيز للابتكار في المجالين الزراعي والدوائي.

غير أن هذا التحول لا يخلو من تحديات اجتماعية، خاصة بالنسبة لصغار الفلاحين. وفي هذا الإطار، جرى التأكيد على أهمية صنف “البلدية” المحلي، المعروف بكونه صنفاً بيولوجياً لا يتطلب استعمال المبيدات، ويقاوم الظروف المناخية، فضلاً عن كونه جزءاً من التراث الزراعي والثقافي لمنطقة الريف.

ورغم هذه المزايا، يواجه الفلاحون الصغار أعباء ثقيلة مرتبطة بالتراخيص، وشروط الجودة، ومراقبة المياه، وتقنيات التجفيف، واحترام المعايير الصارمة، إذ يؤدي أي إخلال إلى منع تسويق المنتوج.

ويرى فاعلون جمعويون أن إحداث وحدات تحويل صناعي داخل المناطق المنتجة كفيل بخلق فرص شغل محلية، وتثبيت القيمة المضافة في المجال الترابي، بما يمنح لهذا الورش بعده الاجتماعي الحقيقي، ويعزز انخراط مختلف المتدخلين في إنجاح التجربة.

في سنة 2025، رخصت الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي لـ3.966 قنطاراً من بذور صنف “البلدية”، موزعة على 264 تعاونية معتمدة، مقابل 1.717 قنطاراً سنة 2024 لفائدة 112 تعاونية. وقد تضاعفت المساحات المزروعة بشكل ملحوظ، ما يعكس تسارع وتيرة هيكلة السلسلة القانونية للقنب الهندي بالمغرب، وتعزيز طموحه للتموقع الإقليمي والدولي في هذا القطاع الصاعد.