المغرب يطفئ نار “الكان” ويعيد العلاقات مع السنغال إلى مربع القوة

حلّ رئيس وزراء جمهورية السنغال عثمان سونكو، يوم الاثنين 26 يناير 2026، بالعاصمة الرباط في زيارة رسمية إلى المملكة، وكان في استقباله رئيس الحكومة عزيز أخنوش، إلى جانب عدد من المسؤولين، في سياق تعزيز علاقات التعاون الثنائي وبمناسبة انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا للشراكة المغربية-السنغالية، التي تتواصل أشغالها إلى غاية يوم الثلاثاء، مع برمجة منتدى اقتصادي على هامشها.

ويضم الوفد السنغالي المرافق لسونكو وزراء الشؤون الخارجية والسنغاليين بالخارج، والتعليم العالي والبحث والابتكار، والصناعة والتجارة، والاقتصاد والتخطيط والتعاون، إضافة إلى وزير الفلاحة والثروة الحيوانية والسيادة الغذائية، بما يعكس الطابع الشامل للزيارة وتعدد الملفات المطروحة.

وتأتي الزيارة بعد أيام قليلة من نهائي كأس أمم إفريقيا الذي احتضنه ملعب مولاي عبد الله بالرباط، وشهد تتويج المنتخب السنغالي باللقب على حساب المنتخب المغربي، وسط توترات على منصات التواصل الاجتماعي وأحداث وُصفت بالمؤسفة في نهاية المباراة، بما في ذلك احتجاجات رياضية وأعمال شغب أعقبت اللقاء وأسفرت عن توقيف 18 مشجعًا سنغاليًا.

وتُقدَّم الزيارة الحالية باعتبارها ترجمة عملية لبلاغ الديوان الملكي الذي أكد أن روابط الأخوة ستظل أقوى من أي سلوكات معزولة، كما تنسجم مع دعوة رئيس الوزراء السنغالي إلى التهدئة والتأكيد على بقاء ما جرى داخل الإطار الرياضي المحض.

وفي إطار هذه الزيارة، عقد رئيس الحكومة عزيز أخنوش مباحثات مع رئيس الوزراء السنغالي، بحضور وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، وسفير المملكة المغربية لدى السنغال حسن الناصري.

وأكد الجانبان حرص المملكة المغربية وجمهورية السنغال على الارتقاء بالتعاون المشترك إلى مستويات متعددة الأبعاد، وفق تطلعات قائدي البلدين الملك محمد السادس والرئيس باسيروديوماي فاي، مع التشديد على أن البلدين سيظلان وفيّين لروح الأخوة والتضامن والاحترام التي تجمعهما، والتنويه بدور الجالية المغربية المقيمة في السنغال والجالية السنغالية المقيمة في المغرب في إغناء الشراكة بين البلدين.

وأشاد أخنوش، خلال المباحثات، بالروابط الإنسانية والدينية والاقتصادية الوثيقة التي تجمع المغرب والسنغال، مبرزًا دلالات الزيارات الثماني التي قام بها الملك محمد السادس إلى السنغال، كما نوه بالدور الذي تضطلع به داكار في المبادرات الملكية الرامية إلى ترسيخ التنمية في إفريقيا، ولا سيما المبادرة الملكية لتعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي.

وأشار بلاغ لرئاسة الحكومة إلى أن اللقاء شكل مناسبة للوقوف على القفزة النوعية المسجلة في تبادل الزيارات الوزارية وإثراء الإطار القانوني الذي ينظم التعاون الثنائي وتوطيد الشراكة الاقتصادية والاستثمارات، مضيفًا أن انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة يشكل فرصة لتعزيز التعاون القطاعي عبر إرساء مشاريع مهيكلة في مجالات الفلاحة والطاقة والتجارة والاقتصاد الرقمي وغيرها.

من جهته، أكد عثمان سونكو، خلال أشغال اللجنة العليا المشتركة، أن زيارة المغرب تأتي في مرحلة مفصلية لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، موضحًا أنها لا ترتبط بما وقع في نهائي كأس أمم إفريقيا، وأنها تندرج ضمن شغف رياضي يعزز أواصر الصداقة دون أن يؤثر على عمق الروابط بين الدولتين.

وشدد على أن العلاقات المغربية-السنغالية تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية، باعتبارها قائمة على متانة تاريخية تشمل الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والدينية، مؤكدًا أن الرياضة لا يمكن أن تفرق بين البلدان، وأن أي انزلاقات خلال المنافسات الرياضية ينبغي التعامل معها باعتدال وعدم المبالغة فيها.

وأكد سونكو أن هذه الدورة من اللجنة العليا المشتركة تروم تعزيز الشراكات الاستراتيجية بين البلدين، مع توسيع التعاون في القطاعات ذات الأولوية، ضمن خارطة طريق تمتد إلى أفق 2050، مبرزًا الرغبة المشتركة في تحسين وتيرة التعاون الاقتصادي والتجاري وتحقيق قدر أكبر من التوازن والإنصاف في العلاقات الثنائية، سواء على مستوى التبادلات التجارية أو التواجد الاقتصادي للشركات المغربية في السنغال والشركات السنغالية في المغرب.

كما أشار إلى أن المنتدى الاقتصادي المرتقب عقده في الدار البيضاء سيشكل فرصة لتفعيل هذه الشراكات ومناقشة تحديات تنقل المواطنين، مع التركيز على تسهيل الإجراءات الدبلوماسية والقنصلية وتعزيز الاندماج على المستوى المحلي، مجددًا التزام حكومته بتطوير التعاون الثقافي والروحي والديني بما يخدم مصالح البلدين.

وترتبط الرباط وداكار بعلاقات دبلوماسية وثقافية متينة منذ عقود، إلى جانب شراكات اقتصادية تشمل عدة قطاعات، كما تمثل الجالية السنغالية أكبر جالية إفريقية مقيمة بالمغرب، إذ تشكل نسبة 18.4 في المائة من مجموع نحو 150 ألف أجنبي يقيمون بالمملكة، وفق نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024.

ويُنتظر أن تفضي هذه الزيارة إلى دفع التعاون الثنائي نحو مشاريع عملية جديدة، وترسيخ شراكة استراتيجية مستدامة بين المغرب والسنغال تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وخدمة استقرار وتنمية البلدين والقارة الإفريقية.