الوزير السكوري يعترف بفشله في توفير مناصب الشغل للمغاربة ويبحث عن شماعة اسمها أنابيك

كشف وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، معطيات مقلقة حول واقع سوق الشغل بالمغرب، بعدما أقر بأن الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك” تعجز سنويا عن تلبية أزيد من 100 ألف منصب شغل تطلبها المقاولات، في تصريح رسمي أعاد إلى الواجهة عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها القطاع، وأثار في الآن نفسه جدلا واسعا حول حدود المسؤولية السياسية للحكومة، ومحاولات تحميل مؤسسة عمومية تبعات اختلالات أوسع.

وجاء اعتراف السكوري في مداخلة له خلال أشغال الدورة العاشرة للمنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية، يوم أمس الاثنين بمجلس المستشارين، حيث قدّم أرقاما متباينة تعكس صورة مرتبكة عن أداء منظومة التشغيل. فمن جهة، تحدث الوزير عن إدماج سنوي يقارب 130 ألف مستفيد، مع رفع الرقم إلى 150 ألف خلال السنة الجارية، وبرمجة بلوغ 200 ألف إدماج في أفق قريب، ومن جهة أخرى، أقرّ بأن أكثر من 100 ألف فرصة شغل تبقى دون تلبية كل سنة بسبب ما وصفه بـ“عجز أنابيك عن مواكبة حاجيات المقاولات”.

هذا التناقض بين خطاب الإنجاز وخطاب العجز أعاد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الأزمة: هل يتعلق الأمر فعلا بإشكال في أداء الوكالة، أم بفشل أعمق في السياسات العمومية التي تؤطر سوق الشغل، من تعليم وتكوين واستثمار وأجور؟ فـ“أنابيك”، باعتبارها مؤسسة عمومية خاضعة لوصاية الوزارة نفسها، لا تضع الاستراتيجيات ولا ترسم اختيارات التشغيل، بل تنفذ ما تقرره الحكومة، وهو ما يجعل تحميلها مسؤولية فجوة بنيوية في سوق الشغل محل تساؤل.

وعزا الوزير هذا العجز إلى نقص الكفاءات المؤهلة في قطاعات معينة، وإلى ضعف جاذبية الأجور في بعض المناطق مقارنة بارتفاع كلفة العيش، وهي تفسيرات فتحت بدورها نقاشا أوسع، إذ إن الحديث عن غياب الكفاءات يعيد المسؤولية إلى منظومة التكوين والتعليم، بينما الإقرار بعدم جاذبية الأجور يسلط الضوء على اختلالات بنيوية في شروط العمل، تتجاوز دور الوساطة الذي تضطلع به الوكالة.

وفي محاولة لتقديم مخرج عملي، تحدث السكوري عن برامج بديلة، من بينها “التدرج المهني”، وإمكانية تشغيل شباب غير حاصلين على شهادات، معتبرا أن هذه المقاربة بدأت تعطي نتائج أولية. غير أن هذا التوجه فُهم على نطاق واسع باعتباره اعترافا ضمنيا بعدم قدرة منظومة الشهادات والتكوين الحالية على تلبية حاجيات السوق، وبأن الأزمة أعمق من مجرد خلل في الربط بين العرض والطلب.

وتزداد حدة الجدل بالنظر إلى السياق الذي جاءت فيه هذه التصريحات، حيث لا تزال أصداء إعفاء مديرة “أنابيك” حاضرة بقوة. فقد أثار القرار، الذي رافقته اتهامات بخرق المساطر القانونية، ردود فعل نقابية وحقوقية واسعة، واعتُبر مؤشرا على توتر داخل القطاع، وتحول الوكالة إلى نقطة تصريف للأزمة بدل معالجة جذورها.

وكانت المنظمة الديمقراطية للشغل قد طالبت بتدخل عاجل لرئيس الحكومة، محذرة مما وصفته بـ“الشطط في استعمال السلطة”، ومؤكدة أن المديرة المعنية جرى تعيينها بمرسوم حكومي وفق المقتضيات الدستورية، ما يجعل أي إعفاء خارج هذا الإطار مساسا بمبدأ دولة القانون والمؤسسات.

ويبدو أن خطاب وزير التشغيل لا يكتفي بتشخيص أزمة سوق الشغل، بل يعكس أيضا ارتباكا في تحديد المسؤوليات، بين ما هو سياسي واستراتيجي، وما هو تنفيذي وإجرائي. فالإقرار بضياع 100 ألف منصب شغل سنويا لا يفتح فقط ملف أداء “أنابيك”، بل يضع السياسات الحكومية برمتها تحت مجهر المساءلة، ويطرح سؤالا مركزيا: من يتحمل فعلا مسؤولية فشل الربط بين التشغيل والتنمية في المغرب؟