اختار حزب الأصالة والمعاصرة التزام الصمت السياسي إزاء العاصفة التي تحاصر وزير العدل عبد اللطيف وهبي، على خلفية مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة الذي صادقت عليه الحكومة أخيراً، في موقف قرأه متتبعون بوصفه تخلياً صريحاً عن الوزير وتركه وحيداً في مواجهة غضب هيئات المحامين وتصعيدهم المتواصل.
فخلال اجتماع المكتب السياسي للحزب، كما في البلاغ الرسمي الصادر عقب أشغاله، غاب أي ذكر للخلاف الحاد القائم بين وزير العدل وأسرة الدفاع، رغم حساسية الملف واتساع رقعة الاحتجاجات. صمتٌ اعتُبر دالاً، خاصة أن الحزب سبق أن تبنّى المنطق نفسه في محطة سابقة، عندما تفجرت أزمة امتحان المحاماة، ووجد وهبي نفسه آنذاك في قلب الانتقادات دون غطاء حزبي واضح.
ويكتسي هذا الموقف دلالة إضافية، بالنظر إلى أن قيادات وازنة داخل “البام” تنتمي أصلاً إلى مهنة المحاماة، من بينها المنسقة الوطنية للحزب ورئيسة مجلسه الوطني، ما يعزز فرضية أن الحزب فضّل تفادي أي صدام مباشر مع هيئة مهنية قوية وذات وزن رمزي، حتى وإن كان الثمن ترك وزيره يواجه العاصفة بمفرده.
في المقابل، تحاول أصوات من داخل الحزب في تصريحات لموقع “هاشتاغ” التقليل من وقع هذا الغياب، معتبرة أن عبد اللطيف وهبي “غير معني” بطلب الدعم السياسي، وأنه اعتاد الاشتغال خارج منطق الإسناد الحزبي، بل واستمر في النهج نفسه حتى حين كان يتولى الأمانة العامة للحزب. غير أن هذا التبرير لا يخفي حقيقة أن الحزب اختار عملياً النأي بنفسه عن ملف بالغ الحساسية.
المفارقة الأبرز حسب مصادر موقع “هاشتاغ” تتجلى في أن “البام” لم يتردد، في البلاغ نفسه، في خوض معركة سياسية مفتوحة دفاعاً عن وزيره في قطاع الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، حيث خصص له حيّزاً وازناً للترافع عن مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، في مواجهة طعون المعارضة واحتمال إحالته على المحكمة الدستورية.
هذا التفاوت في المواقف حسب نفس المصادر المتحدثة لموقع “هاشتاغ” يعكس بوضوح أولويات الحزب في هذه المرحلة؛ إذ يبدو أن “البام”، وقد شدّ رحاله أكثر نحو منطق الانسجام مع رئيس الحكومة، يفضّل تحصين توازنات الأغلبية وتفادي توتير علاقاته مع الهيئات المهنية، حتى وإن أدى ذلك إلى التضحية السياسية بأحد وزرائه.
ويزداد المشهد تعقيداً مع بروز تباينات داخل الأغلبية نفسها، بعدما عبّر حزب الاستقلال عن رفض صريح لمشروع قانون مهنة المحاماة خلال المجلس الحكومي الأخير، ما ينذر بنقاش برلماني محتدم، ويضع عبد اللطيف وهبي أمام اختبار سياسي صعب، هذه المرة من دون مظلة حزبية تحميه أو تخفف عنه كلفة المواجهة.






