تآكل الحلفاء يضيق الخناق وتحولات دولية متسارعة تضع النظام الجزائري أمام اختبار العزلة

كريم الاحمدي/باحث في العلاقات الدولية

تشهد الساحة الدولية في الآونة الأخيرة تحولات عميقة أعادت رسم خرائط النفوذ والتحالفات، في سياق يتسم بتراجع منطق الاصطفافات الأيديولوجية وصعود مقاربات أكثر واقعية تقوم على الاستقرار واحترام الشرعية الدولية. هذه التحولات المتسارعة انعكست بشكل مباشر على شبكة تحالفات دول عدة، وفي مقدمتها الجزائر، التي وجدت نفسها أمام تآكل متزايد في دائرة حلفائها التقليديين.

وساهمت تطورات دولية بارزة، من بينها سقوط أنظمة كانت تشكل سندًا سياسيًا لخطاب الجزائر الخارجي، في تعميق هذا المنحى. فقد مثّل تراجع نفوذ شخصيات وأنظمة لطالما وُصفت بأنها خارج الإجماع الدولي، مثل نظام بشار الأسد، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مؤشرات قوية على نهاية مرحلة سياسية كانت تعتمد على المواجهة بدل الاندماج في النظام الدولي.

وتأتي هذه المتغيرات في وقت يتجه فيه المجتمع الدولي إلى إعادة ترتيب أولوياته، وفق منطق يربط الشرعية بالاستقرار، ويُقلص هامش المناورة أمام الدول التي بنت سياساتها الخارجية على تحالفات وُصفت بالهشة، لافتقارها إلى عمق اقتصادي أو غطاء سياسي دولي مستدام.

وفي هذا السياق، يبدو أن الجزائر من أكثر المتأثرين بهذه التحولات، بعدما راهنت لسنوات على دعم أطراف دولية لقضايا خلافية، وعلى رأسها ملف الصحراء. غير أن تراجع نفوذ هذه العواصم، وتغير مواقف عدد من الدول داخل المحافل الدولية، أدى إلى تقلص ملموس في حجم الدعم الدبلوماسي الذي كانت الجزائر تعوّل عليه.

في المقابل، اتسعت دائرة التأييد الدولي لمبادرات تُصنّف باعتبارها واقعية وقابلة للتطبيق، وفي مقدمتها المقترحات التي يدعمها المغرب، والتي تحظى بدعم متزايد من دول وازنة داخل الأمم المتحدة وخارجها، باعتبارها مدخلًا للاستقرار الإقليمي.

ويرى متابعون أن الرسائل التي تحملها هذه التحولات واضحة: كلفة الاصطفاف إلى جانب أنظمة معزولة دوليًا أصبحت أعلى من أي وقت مضى، في نظام دولي أقل تسامحًا مع السياسات التي تغذي النزاعات بدل تسويتها. كما تشير قراءات دبلوماسية إلى أن مرحلة “شراء المواقف” والتحالفات الظرفية آخذة في الأفول، مقابل صعود منطق الواقعية السياسية الذي يعيد الاعتبار لوحدة الدول وسيادتها.

داخليًا، تضع هذه المستجدات صانعي القرار في الجزائر أمام معادلة دقيقة، عنوانها ضرورة مراجعة الخيارات الاستراتيجية قبل اتساع دائرة العزلة. فمواصلة الاستثمار في ملفات خاسرة دبلوماسيًا قد يفاقم الضغوط السياسية ويضعف الموقع التفاوضي للبلاد في قضايا إقليمية ذات أولوية اقتصادية وأمنية.

وفي ظل هذا المشهد الدولي المتحول، تبرز مسألة إعادة التموضع الدبلوماسي كخيار مطروح، يهدف إلى تفادي سيناريوهات عزلة لم تعد مجرد احتمال نظري، بل مؤشرات واقعية تتعزز مع كل تحول دولي جديد. هكذا تجد الجزائر نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد العالم يُدار بمنطق التحالفات القديمة، بل وفق معايير جديدة تفرضها تحولات النظام الدولي وحسابات المستقبل.