كشفت التحركات الأخيرة للبحرية الإسبانية عن تصعيد محسوب في مستوى الحضور العسكري والمراقبة البحرية في فضاءات استراتيجية قريبة من السواحل المغربية، على رأسها مضيق جبل طارق وبحر البوران، في سياق إقليمي يتسم بتزايد الحساسية الأمنية واحتدام التنافس بين القوى البحرية الدولية في غرب المتوسط.
وتعكس العمليات التي أعلنت عنها وزارة الدفاع الإسبانية توجّهًا واضحًا نحو تعزيز ما تصفه مدريد بـ«الحضور والردع»، من خلال مراقبة دقيقة لحركة العبور العسكري، خاصة السفن التابعة للبحرية الروسية، داخل ممرات بحرية تعتبرها إسبانيا ذات أهمية سيادية وأمنية عالية.
ووفق المعطيات الرسمية، انتشرت وحدات بحرية إسبانية منذ دجنبر الماضي في نطاق مضيق جبل طارق وبحر البوران، حيث تولّت مهام تعقّب ومواكبة لسفن حربية روسية أثناء عبورها نحو شرق البحر الأبيض المتوسط ثم في اتجاه المحيط الأطلسي. هذه العمليات نُفذت بواسطة سفن عمل ودوريات أعالي، جرى توظيفها في مهام مراقبة متواصلة، شملت أيضًا محيط جزر الشفارين، التي تحتفظ فيها إسبانيا بوجود عسكري دائم شمال إفريقيا.
ويُظهر تسلسل هذه العمليات انتقالًا من المراقبة الظرفية إلى تتبع ممتد للمسارات البحرية، حيث جرى تسليم مهام التعقّب بين الوحدات البحرية الإسبانية تبعًا لتغيّر نطاق العبور، مع استمرار الرصد إلى غاية خروج السفن الروسية من المياه المصنّفة إسبانيًا ضمن مجال «الاهتمام الوطني» ودخولها المجال البحري لدول أخرى.
ويكتسي البعد الاستخباراتي أهمية مركزية في هذه التحركات، إذ جرى تحويل المعطيات الميدانية بشكل فوري إلى مركز عمليات مراقبة العمل البحري بمدينة قرطاجنة، في إطار تنسيق دائم يربط الوحدات البحرية بمراكز القيادة والتحليل. هذا المعطى يؤشر على اعتماد مقاربة استباقية تقوم على جمع المعلومات في الزمن الحقيقي وربطها بقدرة التدخل السريع.
وتندرج هذه الأنشطة ضمن استراتيجية أوسع تعرفها إسبانيا بعمليات الحضور والمراقبة والردع، وهي مقاربة تهدف إلى التعامل المبكر مع التهديدات المحتملة، وضمان الجاهزية العسكرية في حال تطور الأوضاع. وتشرف على هذه العمليات القيادة البحرية العملياتية، ضمن منظومة قيادة تخضع مباشرة لرئيس أركان الدفاع الإسباني، وتستند إلى تعبئة يومية لعدد كبير من العسكريين عبر قدرات بحرية وجوية وبرية وفضائية وسيبرانية.
وتعكس هذه التحركات إدراك مدريد لتزايد أهمية الفضاء البحري المقابل للسواحل المغربية ضمن معادلات الأمن الإقليمي، في ظل حضور روسي متزايد في المتوسط، وتحوّل الممرات البحرية إلى نقاط تماس جيوسياسي حساسة. كما تطرح هذه الدينامية أسئلة أوسع حول توازنات القوة في غرب المتوسط، وحدود الردع البحري، ومستقبل الترتيبات الأمنية في منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية معقّدة.






