تشهد مخيمات تندوف تطورًا سياسيًا لافتًا يعكس تصدعًا متزايدًا داخل المشهد الداخلي، عقب إعلان ما يُعرف بـ“الحركة الصحراوية من أجل السلام” رفضها استمرار احتكار جبهة البوليساريو لتمثيل الصحراويين في المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، في خطوة تُنذر بإعادة طرح سؤال الشرعية والتمثيلية داخل المخيمات.
ووجّهت الحركة رسالة رسمية إلى المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، دعت فيها إلى كسر منطق الصوت الواحد وفتح المجال أمام تمثيلية صحراوية متعددة داخل العملية السياسية الأممية، معتبرة أن حصر التمثيل في تنظيم واحد ساهم في تعميق حالة الجمود التي تطبع هذا الملف منذ سنوات طويلة.
وفي مضمون الرسالة، عبّرت الحركة عن رفضها لما وصفته باستمرار منطق الحزب الواحد والممارسات الأحادية، معتبرة أن تقديم تنظيم واحد بصفته المتحدث الحصري باسم جميع الصحراويين يتعارض مع مبادئ التعددية وحرية التعبير، ويقوض أي أفق حقيقي لتسوية سياسية قائمة على التوافق والانفتاح.
كما شددت الحركة على أن توسيع دائرة المشاورات التي ترعاها الأمم المتحدة لتشمل فاعلين صحراويين آخرين من شأنه أن يخلق دينامية جديدة قادرة على تجاوز حالة الانسداد التي رافقت المفاوضات لأكثر من ثلاثة عقود، معتبرة أن التمثيلية المتنوعة تشكل شرطًا أساسياً لإعادة إطلاق مسار سياسي فقد الكثير من زخمه.
الرسالة، الموقعة من طرف الكاتب الأول للحركة، حش أحمد بريك الله، دعت بشكل واضح إلى اعتماد مقاربة أكثر توازنًا في إدارة الملف، محذّرة من أن تجاهل الأصوات البديلة قد يؤدي إلى إخفاق جديد للجهود الدولية الرامية إلى التوصل لحل نهائي، خاصة في ظل سياق دولي يتسم بتزايد الضغط من أجل تحقيق نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، نبّهت الحركة إلى أن الإصرار على مقاربة الصوت الواحد قد يقود إلى مأزق دبلوماسي جديد، مذكّرة بأن مجلس الأمن ناقش، خلال أكتوبر الماضي، مستقبل بعثة “المينورسو”، وأن الإدارة الأمريكية ألمحت إلى إمكانية تقليص مدة تمديد ولايتها في حال استمرار غياب التقدم السياسي.
وترى الحركة أن المبعوث الأممي يتوفر على هامش تحرك كافٍ لإطلاق مسار أكثر شمولية وتعددية في هذه المرحلة الحساسة، بما يسمح بإعادة الاعتبار لمبدأ التمثيلية الحقيقية داخل المسار الأممي.
ويكتسي هذا التطور دلالة سياسية إضافية بالنظر إلى تزامنه مع مشاورات مدريد الأخيرة حول تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، برعاية أمريكية، في إطار تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797. ويعتبر متابعون أن بروز هذا التشكيك الداخلي في هذا التوقيت بالذات يُضعف موقع قيادة البوليساريو التي تواصل تقديم نفسها ممثلًا حصريًا للصحراويين، في وقت يشارك فيه عدد واسع منهم في الحياة السياسية والمؤسساتية داخل المغرب.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس تراجعًا نسبيًا في مشروعية التمثيل التي تدّعيها الجبهة الانفصالية، في سياق دولي يعرف تحولات في صيغ النقاش وضغوطًا متزايدة للانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق الحلول العملية.
وفي المحصلة، تكشف هذه الدينامية عن تصاعد التشكيك في حصرية التمثيل داخل مخيمات تندوف، مع سعي فاعلين جدد إلى فرض حضورهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة من المسار الأممي، بما يعكس تحولات عميقة داخل المشهد السياسي المرتبط بملف الصحراء المغربية.






