تضارب مصالح واختلالات خطيرة وأسعار ملتهبة.. من يتحكم في دواء المغاربة؟

في وقتٍ تتحول فيه كلفة الدواء إلى عبءٍ ثقيل على كاهل الأسر المغربية، وتتكرر فيه حالات انقطاع الأدوية الحيوية من الصيدليات والمؤسسات الاستشفائية العمومية والخاصة، عاد ملف سوق الدواء ليطفو بقوة على السطح، كاشفًا عن اختلالات بنيوية وشبهات تمس جوهر المنافسة والشفافية في أحد أكثر القطاعات حساسية، وهي الاختلالات التي دفعت مجلس المنافسة إلى فتح نقاش مباشر مع الفرق البرلمانية، في خطوة تؤشر على حجم القلق المؤسساتي المتزايد بشأن طريقة تنظيم القطاع وتسعير الأدوية بالمغرب.

وعقد مجلس المنافسة، يوم الثلاثاء، اجتماعًا تشاوريًا مع ممثلي المجموعات والفرق البرلمانية، في إطار إعداد رأي رسمي حول أسعار الأدوية، وتراخيص التسويق، وآليات التعويض، وذلك بناءً على طلب تقدم به الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، تمت المصادقة عليه من طرف مكتب مجلس النواب، في سياق تصاعد الجدل حول أعطاب المنظومة الدوائية.

وخلال هذا الاجتماع، قدّم مصطفى إبراهيمي، نائب رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، تشخيصًا قاتمًا لوضعية المنافسة داخل القطاع الصيدلاني، مسلطًا الضوء على الانقطاعات المتكررة للأدوية، سواء داخل الصيدليات أو المستشفيات العمومية والخاصة.

وأوضح أن عددًا كبيرًا من طلبات العروض في المجال الصحي تسجل نسب نجاح تقل عن خمسين في المائة، وهو ما يدفع الجهات المعنية إلى اللجوء المتكرر إلى التراخيص الاستثنائية للتسويق، معتبراً أن هذا المسار الاستثنائي أصبح قاعدة، في خرق واضح لمبادئ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص.

وأثار المتحدث شبهات تضارب مصالح، مشيرًا إلى وجود مسؤولين حكوميين، حسب تعبيره، تجمعهم صلات مباشرة أو غير مباشرة بشركات صيدلانية، بعضها يعاني صعوبات، في حين تحظى شركات أخرى بحصة وازنة من الصفقات العمومية أو التراخيص الاستثنائية، ما يطرح علامات استفهام حول نزاهة القرارات المتخذة داخل القطاع.

كما انتقد غياب الشفافية في المعطيات التي يفترض أن توفرها وزارة الصحة بخصوص سوق الدواء، معتبراً أن حجب المعلومات الأساسية يحرم الفاعلين من شروط المنافسة العادلة، ويخلق بيئة ضبابية تخدم أطرافًا بعينها. وتوقف عند التأخر الكبير في منح تراخيص التسويق، الذي قد يصل في بعض الحالات إلى ثلاث سنوات، وهو تأخير غير مبرر يسهم في تعزيز مواقع الفاعلين المهيمنين داخل السوق.

وربط هذا الوضع بضعف التجهيزات التقنية للمختبر الوطني التابع للوكالة الوطنية للدواء، الذي لا يتوفر سوى على ستة أجهزة للتحليل، وهو رقم اعتُبر غير كافٍ بالنظر إلى حجم الطلب، إضافة إلى نقل خبراء ذوي تجربة من الوكالة إلى الإدارة المركزية، ما ساهم في تراجع غير مسبوق في عدد التراخيص الممنوحة. فقد انتقل عدد تراخيص التسويق من حوالي ثلاثمائة ترخيص سنة 2024 إلى ما يقارب ستين فقط خلال سنة 2025، الأمر الذي انعكس سلبًا على تطوير الدواء الجنيس وفتح الباب أمام ممارسات احتكارية غير معلنة.

ولم يخلُ النقاش من التطرق إلى ملف الأوكسجين الطبي والغازات العلاجية، حيث تم تسجيل تركّز كبير للسوق بين عدد محدود من الشركات، بعضها لا يتوفر، وفق المعطيات المعروضة، على صفة مؤسسات صيدلانية صناعية، إلى جانب الحديث عن ضغوط محتملة تمارس على شركات توزيع مولدات الأوكسجين، في سياق شبهات ممارسات منافية لقواعد المنافسة.

ويُنتظر أن تُفضي هذه اللقاءات التشاورية إلى إصدار رأي رسمي لمجلس المنافسة حول تنظيم القطاع الصيدلاني وتسعير الأدوية، في ظل انتظارات واسعة بأن يتجاوز هذا الرأي التشخيص إلى اقتراح إجراءات ملموسة تعيد الاعتبار لمبادئ الشفافية والمنافسة، وتضع حدًا للاختلالات التي باتت تهدد حق المواطنين في الولوج العادل والمستدام إلى الدواء.