أعاد الاجتماع الأول للجنة العسكرية المشتركة بين المغرب وإثيوبيا، المنعقد منتصف يناير الجاري في أديس أبابا، خلط الأوراق إقليميًا، وفتح باب التساؤلات على مصراعيه بشأن خلفيات هذا التقارب العسكري وتوقيته، خصوصًا في ظل الصدام المستمر بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة وما يشكله من تهديد مباشر للأمن المائي المصري.
ورغم حساسية السياق، سعت القاهرة إلى امتصاص تداعيات الخطوة، حيث أكد مصدر مصري مطلع، في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط، أن التعاون العسكري المغربي-الإثيوبي «لا يقلق مصر»، مشددًا على أن التعامل معه سيكون عبر «الدبلوماسية الهادئة»، في رسالة توحي بمحاولة احتواء الموقف دون تصعيد علني، مع الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع الرباط.
غير أن هذا الخطاب الهادئ لم يُخفِ حالة الاستغراب داخل الأوساط العسكرية المصرية، إذ عبّر خبير عسكري مصري شغل سابقًا منصبًا رفيعًا في القوات المسلحة عن دهشته من إقدام المغرب على إبرام تعاون دفاعي مع دولة «تتخذ مواقف مناوئة للحقوق المائية المصرية»، معتبرًا أن الخطوة تطرح أكثر من علامة استفهام، حتى وإن كانت لا تشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا.
وكانت تقارير إعلامية مغربية قد كشفت أن الاجتماع الأول للجنة العسكرية المشتركة ناقش مخطط عمل للتعاون في مجالات الدفاع، استنادًا إلى اتفاقية وُقعت بالرباط في يونيو 2025، تشمل التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، ما يؤشر على انتقال العلاقات بين البلدين من مستوى التنسيق السياسي إلى شراكة دفاعية مؤسساتية.
وفي المقابل، حاولت أديس أبابا تبديد المخاوف، حيث أكدت وكالة الأنباء الإثيوبية أن التعاون مع الرباط يقوم على «المنفعة المتبادلة» ويشمل التعليم العسكري، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، واعتبر مسؤولون إثيوبيون الاجتماع «محطة تاريخية» تفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، في توصيف يعكس رغبة واضحة في إضفاء طابع استراتيجي على هذا التقارب.
لكن نفي إثيوبيا لأي نيات موجهة ضد مصر لم يلقَ إجماعًا، إذ شدد الخبير الاستراتيجي المصري سمير فرج على أن أديس أبابا «خصم مباشر لحقوق مصر المائية»، رافضًا محاولات تلطيف الصورة، ومطرحًا تساؤلًا صريحًا حول جدوى تعاون دولة عربية مع طرف يهدد مصالح حيوية لدولة محورية في المنطقة، رغم تأكيده أن هذا التعاون لا يحمل في طياته تأثيرًا عسكريًا فعليًا على مصر.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه التوسط في أزمة مياه النيل وسد النهضة، وهو ما اعتبره مراقبون عامل ضغط إضافيًا قد يدفع إثيوبيا إلى توجيه رسائل سياسية غير مباشرة عبر تحركاتها الإقليمية، في لحظة دقيقة تشهد إعادة تموضع للقوى في شرق وشمال إفريقيا.
وبين محاولة القاهرة تطويق الموقف بخطاب هادئ، وسعي أديس أبابا لتسويق تعاونها مع الرباط باعتباره شراكة تنموية لا أكثر، يبقى التقارب العسكري المغربي-الإثيوبي تحت مجهر المتابعة الإقليمية، باعتباره خطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز البيانات المعلنة، وتفرض على العواصم المعنية قراءة أعمق لما يجري خلف الكواليس.






