في الجديدة، انعقد مؤتمر حزبي استثنائي… وانتهى حفل تأبين.
ثلاث ساعات من البكاء المركز اختزلت سنوات من الصعود المريح.
القاعة بدت كأنها تستضيف عزاء راقيا لشخصية ما زالت تتنفس سياسيا، غير أن الملامح والارتجاف ونبرة الوداع، كل شيء أوحى بأن مرحلة كاملة تحمل إلى مثواها الأخير على وقع التصفيق المرتبك.
عزيز أخنوش اعتلى المنصة بنبرة رجل يلقي خطاب الرحيل الأخير.
كلمات مثقلة بالحنين، شكر طويل، امتنان واسع، التفاتات نحو العائلة والرفاق والذكريات… ثم الدموع.
لم تكن دموعا عادية، كانت إعلانا غير مكتوب بأن زمن الاطمئنان انتهى، وأن الكراسي عندما تبرد تبدأ بإفراز العاطفة مثل جهاز إنذار متأخر.
راشيد الطالبي العلمي، الذي تمرس على إدارة الجلسات الصاخبة، سقط أسير الارتجاف. الرجل الذي يضبط إيقاع البرلمان فقد إيقاع صوته أمام جملة وداعية.
مصطفى بايتاس بدا كمن يبحث عن بلاغ رسمي يشرح للبكاء أسبابه التقنية.
فاطمة الزهراء عمور دخلت في حالة تأثر راقية، أمينة بنخضرا تابعت بنظرة ثقيلة، فاطمة خير تخشعت في دور سينمائي؛ وزراء وبرلمانيون وقياديون انخرطوا في موجة وجدانية جماعية، حتى بدا وكأن القاعة تحولت إلى أكبر تعاونية وطنية لإنتاج الدموع بالجملة.
الجميع بكى… بتركيز يحسد عليه.
كأن سنوات كاملة من الصمت العاطفي انفجرت دفعة واحدة فوق منصة واحدة.
في الخارج، كان المغاربة يراقبون العرض من هواتفهم، بين فاتورة متضخمة وسعر وقود ملتهب وسوق عمل ضيق.
تساءل كثيرون عن توقيت هذا الانفجار الوجداني المفاجئ.
أين كانت هذه الغزارة عندما غرقت مدينة القصر الكبير؟ أين كان هذا التأثر حين اشتدت الضغوط على الجيوب وارتفعت الأسعار؟ أين كانت هذه الارتجافة عندما صارت الحياة اليومية تمرينا في التحمل؟
وفجأة… قاعة فاخرة تبكي بحرارة.
البلاد تتابع ببرود.
الكلمات التي ألقاها أخنوش بدت كأنها وصية سياسية طويلة.
حديث عن المسار، عن الوفاء، عن القيادة، عن الرفاق… خطاب يصلح لنهاية ولاية كاملة من الراحة النفسية.
الطالبي العلمي كاد يعجز عن مواصلة الجلسة، فصار المؤتمر أقرب إلى جلسة بكاء جماعي راق.
بايتاس وقف بين دور المبرر ودور المتأثر، في وضع يشبه موظف استقبال داخل جنازة فخمة.
فتاح العلوي وزينة شاهين وبقية الوجوه حضرت بكامل أناقتها الحزبية، كما لو أن البروتوكول يشمل أيضا تنسيق الدموع.
الصورة كانت فاخرة إلى حد الفانتازيا.
حزب يقود الحكومة يجلس في قاعة مكيفة ليبكي على زمن جميل يبتعد ببطء.
كأن الكراسي بدأت تصدر صوت احتكاك خفيفا فارتفعت الحساسية فجأة.
في السياسة، عندما يصبح البكاء جماعيا إلى هذا الحد، فذلك إعلان غير مباشر عن قلق عميق. الثقة حين تهتز تخرج من العيون أولا.
النفوذ حين يفقد صلابته يتحول إلى مادة عاطفية قابلة للذوبان أمام الكاميرات.
الدموع لغة إنسانية نبيلة، غير أن الإكثار منها فوق المنصات يجعلها أقرب إلى خطاب اعتراف طويل.
ذلك المؤتمر الاستثنائي سيدخل الذاكرة كأفخم جنازة سياسية بلا جثمان.
قاعة مضاءة جيدا، مناديل وفيرة، كلمات وداع، ووجوه تحاول التماسك وسط طقس بكائي راق.
الجميع حضر: وزراء، برلمانيون، قياديون، فريق إعلامي وتقني.
الغائب الوحيد كان إحساس الناس بأن الدموع نزلت لأجلهم.






