في خضم عاصفة سياسية وقضائية غير مسبوقة تضرب المشهد الإسباني، سارعت حكومة بيدرو سانشيز إلى نفي أي تداعيات دبلوماسية على العلاقات المغربية-الإسبانية، على خلفية الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها وزير النقل الإسباني السابق خوسيه لويس أبالوس، رفقة القيادي الاشتراكي سانتوس ثيردان، إلى المغرب سنة 2019.
الزيارة، التي عادت إلى الواجهة بقوة مع تطورات التحقيقات القضائية والإعلامية الجارية في إسبانيا، تحولت من نشاط رسمي عابر إلى ملف ثقيل محاط بشبهات استغلال النفوذ وتضارب المصالح، بعد اتهامات تتعلق بتوظيف مهمة حكومية لفتح قنوات صفقات وعمولات مرتبطة بمشاريع بنية تحتية كبرى، من بينها مشروع ميناء صناعي بالقنيطرة.
وفي رد رسمي على مساءلة برلمانية تقدمت بها المعارضة، شددت الحكومة الإسبانية على أن العلاقات مع الرباط لم تتأثر مطلقاً بهذه القضية، مؤكدة أن ما يجري شأن داخلي إسباني محض، ولا يمت بصلة إلى الشراكة الاستراتيجية مع المغرب. موقف أرادت مدريد من خلاله الفصل بوضوح بين الدولة الإسبانية كشريك رسمي، وبين اختلالات تدبير سياسيين يواجهون اليوم شبهات ثقيلة.
تقارير الحرس المدني الإسباني زادت من حدة الجدل، بعدما كشفت عن تبادل رسائل واتصالات سبقت الزيارة، تتضمن إشارات صريحة إلى “تنسيق سياسي” و”عمولات”، ما فجّر موجة انتقادات حادة داخل إسبانيا، وطرح أسئلة محرجة حول تحويل مهام رسمية إلى قنوات لخدمة أجندات ضيقة.
في المقابل، تؤكد الوثائق نفسها أن الزيارة إلى المغرب جرت في إطار رسمي بحت، وشملت لقاءات مؤسساتية عادية مع مسؤولين مغاربة، من بينهم رئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، وفق الأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وهو ما يعزز موقف الرباط التي تعاملت مع الوفد الإسباني كضيف رسمي دون أي انخراط في ترتيبات خارج القنوات القانونية.
وبينما تحاول أطراف في المعارضة الإسبانية استثمار الملف لتصفية حسابات سياسية داخلية، يبرز المغرب مرة أخرى كطرف غير معني بصراعات مدريد الحزبية، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن المؤسسات المغربية لم تكن طرفاً في أي صفقات مشبوهة، ولم تمنح امتيازات خارج المساطر الرسمية.
هكذا، تتحول القضية من مجرد زيارة رسمية إلى فضيحة سياسية مدوية داخل إسبانيا، عنوانها تداخل المال بالسياسة واستغلال النفوذ، في وقت يخرج فيه المغرب من قلب العاصفة محافظاً على موقعه كشريك استراتيجي وفاعل دبلوماسي متزن، بينما يبقى السؤال الحقيقي مطروحاً داخل مدريد: من فجّر هذه القنبلة السياسية من داخل البيت الإسباني؟






