هاشتاغ _ الرباط
يمكن مقاربة زيارة وفد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي إلى المملكة المغربية بوصفها مؤشرا دالا على التحول العميق الذي عرفته المنظومة الأمنية المغربية خلال العقدين الأخيرين، وانتقالها من منطق التدبير الداخلي إلى موقع الشريك الموثوق في إنتاج الأمن الدولي، ولا سيما في مجال تأمين التظاهرات الكبرى ذات الحساسية العالية.
إن اختيار المغرب، في هذا التوقيت بالذات، كفضاء ميداني للاطلاع على بروتوكولات الأمن والسلامة المعتمدة خلال نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025، لا يمكن فصله عن الرؤية الاستراتيجية التي أرساها جلالة الملك محمد السادس، والتي جعلت من الأمن ركيزة للاستقرار الشامل وأداة داعمة للتنمية والانفتاح، لا مجرد وظيفة تقنية أو ظرفية. فالأمن، في التصور الملكي، جزء من السيادة الوطنية ومن صورة الدولة وقدرتها على كسب ثقة مواطنيها وشركائها الدوليين على حد سواء.
ضمن هذا الإطار العام، يبرز النموذج المغربي في تدبير الأمن العمومي باعتباره نموذجا مركبا، يجمع بين الصرامة القانونية، والنجاعة العملياتية، والاستباق الاستخباراتي، والتوظيف الرشيد للتكنولوجيا الحديثة. وهو نموذج لم يتشكل بمعزل عن قيادة أمنية تمتلك رؤية واضحة وقدرة عالية على التكيف مع التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات.
وهنا يبرز الدور المحوري لعبد اللطيف حموشي المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، الذي قاد تحولا بنيويا في عقيدة الأمن الوطني، من خلال الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية الاستباقية، ومن الأمن المنعزل إلى الأمن المندمج والمتعاون دوليا دون التفريط في الثوابت السيادية.
إن الزيارة الميدانية لوفد الـFBI إلى ملعب الأمير مولاي عبد الله، واطلاعه على منظومات المراقبة الجوية والبصرية، ومراكز القيادة الثابتة والمتنقلة، وآليات التنسيق الرقمي، ثم وقوفه على تجربة مركز التعاون الأمني الإفريقي، تعكس إدراكا أمريكيا متقدما بأن المغرب راكم خبرة عملية في مجال “أمن الفعاليات الكبرى”، وهو مجال أصبح اليوم أحد أكثر فروع العلوم الأمنية تعقيدا، نظرا لتداخل التهديدات الإرهابية، والمخاطر الجماهيرية، والتحديات السيبرانية، وحساسية الرأي العام الدولي.
كما أن هذه الزيارة تؤشر على انتقال المغرب من موقع المتلقي للخبرة إلى موقع المنتج لها، ومن شريك أمني إقليمي إلى فاعل ذي بعد دولي، يُستأنس بتجاربه في إعداد النماذج التشغيلية، وتدبير الحالات الطارئة، وبناء مراكز التنسيق متعددة الجنسيات.
ولا يمكن إغفال أن استعداد الولايات المتحدة لتنظيم كأس العالم 2026، واستعداد المغرب لتنظيم مونديال 2030، يمنح لهذا التعاون بعدا استراتيجيا استباقيا، يقوم على تبادل التجارب قبل وقوع التحديات لا بعدها.
إن ما يميز التجربة المغربية، من منظور أكاديمي، هو نجاحها في تحقيق معادلة دقيقة بين الأمن والحقوق، وبين الحزم والمرونة، وبين الانفتاح الدولي والاستقلالية القرار. وهي معادلة لم تكن لتتحقق لولا توفر إرادة سياسية عليا، وإدارة أمنية محترفة، ومؤسسات قادرة على التعلم المستمر وتحديث أدواتها.
وخلاصة القول، فإن زيارة وفد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي إلى المغرب ليست حدثا تقنيا معزولا، بل لحظة اعتراف استراتيجي بمكانة المغرب كفاعل موثوق في هندسة الأمن الدولي.
وهي في العمق شهادة على نجاعة الرؤية الملكية، وعلى التحول العميق الذي قادته القيادة الأمنية الوطنية، وفي مقدمتها عبد اللطيف حموشي، في جعل الأمن المغربي نموذجا يحتذى به في زمن تتعاظم فيه المخاطر وتتقلص فيه هوامش الخطأ.






