أعادت الفيضانات التي شهدتها مناطق من الغرب والشمال الغربي للمملكة، خلال الأيام الماضية، إلى الواجهة إشكالية تفعيل الإطار القانوني المنظم للتعويض عن الوقائع الكارثية، في ظل اتساع حجم الأضرار وتجاوز عدد الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم وقائيا 154 ألف شخص، في إطار تدخلات استباقية تروم حماية الأرواح وضمان سلامة المواطنين.
ومع تطور الوضع الميداني، انتقل النقاش من الجوانب المرتبطة بالإغاثة والتدخلات العاجلة إلى مدى نجاعة تفعيل الآليات القانونية، وعلى رأسها صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية المحدث بموجب القانون رقم 110.14، باعتباره أداة تضامنية تروم تعويض المتضررين، خاصة غير المشمولين بالتغطية التأمينية، عن الأضرار الناتجة عن الكوارث الطبيعية، من قبيل الفيضانات والزلازل.
ويأتي هذا النقاش في سياق مصادقة الحكومة، قبل أشهر، على مرسوم يقضي برفع نسبة رسم التضامن ضد الوقائع الكارثية من 1 في المائة إلى 1,5 في المائة، وهو الرسم الذي يشكل أحد الموارد الأساسية لتمويل الصندوق، إلى جانب مساهمات الدولة.
ويشترط الإطار القانوني المنظم لتدخل الصندوق صدور مرسوم حكومي يعلن رسميا وقوع “واقعة كارثية”، باعتباره المدخل القانوني لفتح مسطرة التعويضات، سواء المتعلقة بالأضرار البشرية أو الخسائر المادية التي تطال المساكن الرئيسية. وهو ما يضع السلطات المختصة أمام تحدي التوفيق بين مقتضيات المسطرة القانونية ومتطلبات التدخل الاستعجالي في مواجهة الأوضاع الاستثنائية التي تعرفها بعض المناطق المتضررة.
وتشير المعطيات التنظيمية إلى أن الصندوق يتمتع بالاستقلال المالي، وتتمثل مهامه في تعويض الضحايا غير المؤمنين، ودعم مقاولات التأمين عند الاقتضاء، وإنجاز دراسات وإحصائيات مرتبطة بالوقائع الكارثية. غير أن نطاق التعويض يظل محصورا، وفق النصوص الجاري بها العمل، في فئات محددة، ولا يشمل بعض الأضرار المرتبطة بالأنشطة المهنية أو المساكن غير الرئيسية.
وفي هذا السياق، تبرز دعوات إلى اعتماد مقاربة مرنة واستباقية في تفعيل الآليات القانونية ذات الصلة، مع التأكيد على أهمية مراجعة بعض المقتضيات التنظيمية، بما يضمن سرعة التدخل ونجاعة التعويض، ويعزز مبادئ العدالة المجالية والتضامن الاجتماعي.
كما تسلط الفيضانات الأخيرة الضوء على الحاجة إلى تقييم شامل للسياسات العمومية المرتبطة بتدبير المخاطر المناخية، في ظل تزايد حدة الظواهر الطبيعية القصوى، بما يستدعي تعزيز الجاهزية المؤسساتية وتطوير أدوات التدخل القانوني والعملي، لضمان حماية أفضل للمواطنين وممتلكاتهم.






