صفقة عمومية بمليار سنتيم تجر مستشفيات ميدلت والرشيدية إلى الإهمال والفوضى!

هاشتاغ/الراشيدية
تفجرت موجة غضب واسعة في صفوف الشغيلة الصحية بإقليمي ميدلت والرشيدية بسبب ما تصفه باختلالات خطيرة تطبع صفقة النظافة المبرمة من طرف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، رغم أن كلفتها المالية تجاوزت مليار و100 مليون سنتيم.

غضبٌ لم يعد يقتصر على التذمر الداخلي، بل تحول إلى اتهام مباشر بسوء التدبير وهدر المال العام، في ظل واقع ميداني يناقض بشكل صارخ ما هو منصوص عليه في دفتر التحملات.

دفتر التحملات الخاص بالصفقة ينص بوضوح على تغطية شاملة لمختلف المؤسسات الصحية بالإقليمين، بما فيها المستشفيات، مراكز تصفية الدم، المراكز الصحية الحضرية والقروية، والمصالح التي تشتغل بنظام الحراسة على مدار الساعة.

كما يُلزم الشركة المتعاقدة بضمان استمرارية خدمات النظافة 24 ساعة في اليوم، مع إعادة تنظيف المراحيض والمرافق الحساسة كل ثلاث ساعات، وتوفير تدخلات فورية عند الحاجة. غير أن الشغيلة الصحية تؤكد أن هذه الالتزامات بقيت حبيسة الورق، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.

على أرض الواقع، تشير المعطيات إلى أن الشركة لا تشغّل في بعض المؤسسات سوى ثلاثة مستخدمين لمدة أربع ساعات يومياً، أي ما مجموعه 12 ساعة عمل بشرية في اليوم، في حين أن الحد الأدنى لتغطية مؤسسة صحية تعمل بنظام 24/24 يتطلب ما لا يقل عن 72 ساعة عمل بشرية يومياً، موزعة على ثلاث ورديات.

هذا الفارق الصادم، الذي يصل إلى 60 ساعة خصاص يومي، يوضح حجم الهوة بين ما تؤديه الدولة من أموال وما تتلقاه فعلياً من خدمات.

الأمر لا يقف عند حدود عدد المستخدمين وساعات العمل، بل يمتد إلى التغطية المجالية نفسها، فحسب إفادات ميدانية فإن أقل من 60 في المائة من المراكز الصحية، خصوصاً القروية منها، تستفيد فعلياً من خدمات النظافة، بينما تُترك أزيد من 40 في المائة خارج التغطية، رغم أن الصفقة أُبرمت على أساس شمولية الخدمات ودون أي تمييز بين المؤسسات. ورغم هذا النقص الواضح، تُصرف مستحقات الصفقة كما لو أن التغطية كاملة بنسبة 100 في المائة.

دفتر التحملات يلزم أيضاً الشركة بتوفير لائحة مفصلة تضم عشرات مواد التنظيف والتعقيم، إضافة إلى معدات مهنية متطورة، من آلات غسل وتلميع وتعقيم وشفط، إلى مستلزمات الوقاية الفردية.

غير أن شهادات الأطر الصحية تتحدث عن ندرة حادة في مواد أساسية، ورداءة جودة المتوفر منها، وغياب معدات منصوص عليها تعاقدياً. ويزيد من خطورة الوضع أن دفتر التحملات لا يحدد كميات دنيا إلزامية لبعض المواد، ما يفتح الباب أمام تقليص المصاريف وتحقيق أرباح على حساب شروط السلامة الصحية.

وفي الشق الاجتماعي، ينص دفتر التحملات ومدونة الشغل على ضرورة احترام الحد الأدنى للأجور، والتصريح بالمستخدمين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واحترام ساعات العمل القانونية. لكن الشغيلة الصحية تتحدث عن تجاوزات خطيرة، تشمل الضغط على المستخدمين، وساعات عمل غير قانونية، وضرب مكتسباتهم الاجتماعية، في تناقض صارخ مع الالتزامات التعاقدية والقانونية.

عند تفكيك الأرقام، يتضح أن الدولة تؤدي كلفة خدمة نظافة كاملة ومستمرة، في حين لا تتلقى سوى جزء محدود منها. فالمعادلة بسيطة: ثلث الخدمة تقريباً مقابل فاتورة كاملة، وهو ما يجعل ما يجري في مستشفيات ومراكز ميدلت والرشيدية أقرب إلى نموذج فاضح لهدر المال العام، لا مجرد خلل تقني أو سوء تنسيق عابر.

أمام هذا الوضع، تتجه أصابع الاتهام مباشرة نحو وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، التي يُفترض أن تضطلع بدور التتبع والمراقبة الصارمة لتنفيذ الصفقات العمومية. فالصمت والتغاضي عن هذه الاختلالات لا يعني سوى شيء واحد: تحويل دفتر التحملات إلى وثيقة شكلية بلا قيمة إلزامية، وترك صحة المرضى وكرامة العاملين رهينة لحسابات الربح والخسارة.

ما يحدث اليوم يطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن الهروب منه: كيف تُصرف ملايين الدراهم من المال العام دون احترام أدق بنود الصفقة، ومن يتحمل مسؤولية مستشفيات يُفترض أن تكون فضاءات للعلاج، فإذا بها تتحول إلى مرافق تعاني الإهمال، في ضرب مباشر لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟