قضية الصحراء تدخل مرحلة الحسم.. كواليس مغربية تُخلط الأوراق وتضع الجزائر في الزاوية!

في الوقت الذي تتجه فيه بوصلة المجتمع الدولي بشكل متزايد نحو تبني حل مغربي لقضية الصحراء المغربية، تعود مجلة “جون أفريك” الفرنسية لتسلط الضوء على مفارقات هذا التحول، وعلى حدود الاختراق الدبلوماسي الذي حققته الرباط، في مقابل استمرار الجمود الجزائري.

ففي مقال تحليلي وقّعه فرانسوا سودان، مدير هيئة تحرير المجلة، ترسم “جون أفريك” ملامح مشهد معقد تتداخل فيه الذاكرة التاريخية، والتحولات الجيوسياسية، وتوازنات القوى داخل المؤسسات الدولية، مع استشراف سيناريوهات محتملة لمآلات النزاع خلال أفق عام 2026.

وتشير المجلة إلى أنه في الوقت الذي بات فيه المجتمع الدولي يميل أكثر فأكثر إلى دعم حل مغربي لقضية الصحراء المغربية، ما تزال الجزائر، رغم النداءات المتكررة الصادرة من الرباط، غير مستعدة لتغيير موقفها. وهو جمود، رغم بعض التصريحات المتفائلة، خاصة الأمريكية منها، لا يبدو أن فرص كسره خلال عام 2026 ستكون كبيرة.

وتستحضر “جون أفريك” الخلفية التاريخية لهذا التشدد المغربي، مذكّرة بأن المغرب، منذ حصوله على الاستقلال في مارس 1956، كان البلد الوحيد في منطقة المغرب الكبير الذي استعاد حريته منقوصة السيادة الترابية. فقد تطلب الأمر عامين إضافيين لاسترجاع طرفاية، وثلاثة عشر عامًا لاسترجاع إفني، وثلاثة وعشرين عامًا أخرى حتى يرفرف العلم المغربي من طنجة إلى الداخلة، في وقت ما تزال فيه سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية.

وترى المجلة أن هذا الإحساس التاريخي بالإحباط أسهم في بلورة تصور مغربي خاص للهوية الوطنية، يقوم على رفض أي تنازل حين يتعلق الأمر بالوحدة الترابية. وفي هذا السياق، يعتبر المغاربة أنهم أُجبروا على تقديم تنازلات مؤلمة خلال ترسيم الحدود مع الجزائر، وهو ما يجعلهم غير مستعدين لقبول أي وضع يُنظر إليه، سواء بحق أو بغير حق، على أنه اقتطاع من أراضيهم.

وبعد مرور نصف قرن على “استرجاع” الصحراء المغربية، وهو الحدث الذي وحّد المغاربة حول شعور قوي بالفخر الوطني، جاء عام 2025، بحسب “جون أفريك”، ليشكل عامًا استثنائيًا للمملكة. فقد تسارعت خلاله الأحداث في اتجاه بدا مواتيًا للمغرب، خاصة مع توصيف مجلس الأمن الدولي، لأول مرة، مقترح الحكم الذاتي المغربي، الذي قُدّم سنة 2007، باعتباره “أساسًا لحل عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف”، واعتباره الحل “الأكثر قابلية للتطبيق” تحت السيادة المغربية.

ورغم أن القرار رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 جدد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “مينورسو” لسنة إضافية، فإنه لم يعد يؤكد صراحة على الاستفتاء كهدف مركزي للمهمة الأممية، التي بات دورها العملي يقتصر على منع الاحتكاك المباشر بين القوات المسلحة المغربية والجزائرية في المنطقة العازلة.

وترى “جون أفريك” أن هذا التحول يعكس بالأساس الدعم الواضح الذي حظي به المغرب من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحكومة الفرنسية، وهو ما يشكل نجاحًا دبلوماسيًا للرباط في ظل إرهاق دولي متزايد من نزاع منخفض الحدة لكنه محفوف بمخاطر أمنية غير متوقعة.

وتطرح المجلة تساؤلًا مركزيًا حول ما قد يحمله عام 2026 لقضية الصحراء. وفي هذا الصدد، تعتبر أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار الوضع القائم، حيث يتغير كل شيء دون أن يتغير شيء فعليًا.

فرغم إعلان الولايات المتحدة نيتها لعب دور الوسيط، لا يبدو أن الملف يشكل أولوية حقيقية لديها، كما لم تُبلور بعد خارطة طريق واضحة، ولم تفصح عن نواياها بشكل جلي.

أما التصريح الذي أدلى به ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لدونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، في نهاية أكتوبر 2025، بشأن إمكانية توقيع اتفاق سلام خلال شهرين، فتصفه “جون أفريك” بأنه تفاؤل مفرط لم يترجم إلى خطوات عملية، في ظل غموض حول الجهة التي تتولى فعليًا هذا الملف داخل واشنطن، سواء ويتكوف أو مستشار الشؤون الأفريقية مسعد بولس.

وفي موازاة ذلك، تشير المجلة إلى أن المجتمع الدولي ما يزال ينتظر توضيحات من الرباط بشأن مستوى الحكم الذاتي الذي تعتزم منحه للإقليم، وطبيعة الإصلاحات المبتكرة والبراغماتية في مجال الحوكمة التي يتطلبها هذا الخيار، ما يدفع إلى اعتماد مقاربة “إعطاء الوقت للوقت”.

ويأتي ذلك في ظل تمسك الجزائر بموقفها، رغم بعض المرونة في الخطاب، والقائم على الإصرار على استفتاء تقرير المصير ورفض اعتبارها طرفًا مباشرًا في النزاع.

وترى “جون أفريك” أن استمرار الوضع الراهن يعكس أيضًا قدرة المغرب والجزائر على ضبط النفس عسكريًا. فرغم انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020 وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في العام الموالي، ما تزال خطوط التصعيد مضبوطة.

ففي مقابل إطلاق جبهة البوليساريو صواريخ متفرقة، يرد الجيش المغربي بضربات دقيقة بواسطة طائرات مسيّرة تظل محصورة داخل المنطقة العازلة.

كما تحرص الجزائر، وفق المجلة، على عدم تزويد البوليساريو بأسلحة حديثة أو بتكنولوجيا تشويش مضادة للطائرات المسيّرة، كما أشارت إلى ذلك صحيفة “لوموند”.

وتلفت المجلة إلى الوضع الإنساني لنحو 175 ألف صحراوي في مخيمات تندوف، حيث تشكل الأجيال المولودة بعد نزوح 1975 الغالبية، معتبرة أن استمرار معاناتهم يُنظر إليه كأثر جانبي لغياب الحل، غير أن واقعهم بين التهريب والرغبة في الهجرة وإغراء الكفاح المسلح يشكل قنبلة موقوتة حقيقية.

وتعرض “جون أفريك” سيناريوهين آخرين أقل احتمالًا في أفق 2026. يتمثل الأول في ممارسة إدارة ترامب ضغوطًا مباشرة على الجزائر لدفعها إلى قبول مقترح الحكم الذاتي المغربي، عبر التهديد بالعزلة الدبلوماسية أو العقوبات الاقتصادية، غير أن المجلة تستبعد نجاح هذا الخيار، نظرًا لصعوبة تصور قبول الجيش الجزائري بما قد يُنظر إليه كإهانة وطنية، وما قد يفضي إليه ذلك من تشدد أو تصعيد.

أما السيناريو الآخر، فتراه المجلة أكثر واقعية بعد استمرار الوضع القائم، وينطلق من قناعة مغربية متزايدة بأن خيار التفاوض بات متجاوزًا في ظل الرفض الجزائري المستمر. وقد يدفع ذلك الرباط إلى إطلاق هجوم دبلوماسي متعدد المحاور، يبدأ بالسعي إلى تصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة لإخراج الصحراء المغرببية من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، قبل التوجه إلى الاتحاد الأفريقي للمطالبة بمراجعة الاعتراف بـ“البوليساريو” كعضو في المنظمة، ثم التحرك لدى الشركاء الأمريكيين والأوروبيين من أجل تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، استنادًا إلى علاقاتها المفترضة بإيران وحزب الله، وهو خيار تصفه المجلة بالبالغ الخطورة.

وتختم “جون أفريك” بالإشارة إلى تجديد الملك محمد السادس، في خطاب العرش يوليوز 2025، دعوته إلى حل توافقي يحفظ ماء وجه جميع الأطراف دون غالب أو مغلوب، معتبرة أن هذه اليد الممدودة لم تجد إلى اليوم من يمسك بها.

وترجّح المجلة أن يستمر هذا الغياب للتجاوب خلال عام 2026، في ظل مقاربة جزائرية ترى في قضية الصحراء أداة لإضعاف المغرب أكثر مما تعتبرها قضية وطنية خالصة، وهو ما يعمّق عزلتها ويدفعها إلى مزيد من الهروب إلى الأمام بدل البحث عن تسوية.