لم تعد أزمة القطارات في المغرباتجلى فقط في أعطاب تقنية أو اختلالات ظرفية، بل صارت تعبيرًا مكثّفًا عن مفارقة صارخة بين خطاب التحديث وواقع التدبير. رحلات تنطلق متأخرة أو لا تنطلق أصلًا في موعدها، عربات تختنق بالاكتظاظ، وخدمات أساسية غائبة، تجعل من القطار تجربة إنهاك يومي لا خدمة عمومية محترمة.
تُلمَّع الواجهة بالصباغة والكراسي الجديدة، بينما تُهمل التفاصيل التي تختبر إنسانية المرفق: مراحيض معطلة، نظافة متراجعة، وكرامة راكب تُستنزف بصمت.
واشتد المفارقة مع احتضان المملكة لاستحقاقات رياضية قارية كبرى، حيث يُسوَّق القطار كواجهة استقبال للجماهير. السؤال ليس عن القدرة على نقل الأعداد، بل عن المعنى الذي تحمله الرحلة: هل هي عبور كريم يليق بصورة بلد، أم امتحان إضافي لصبر الزوار؟ إن النقل ليس أرقامًا وجداول، بل تجربة تُقاس بالدقيقة وبالاحترام.
إن مسؤولية القيادة هنا لا تُقاس بطول المسار الوظيفي، بل بجرأة القرار. مديرٌ يعرف المؤسسة عن ظهر قلب، لا يكفيه الاطلاع على التقارير إن لم يُنزِل نفسه إلى الرصيف والعربة، ويختبر التأخير والاختناق والانتظار كما يعيشه الركاب. المعرفة بلا مساءلة تُحوِّل الخبرة إلى تبرير، وتحوِّل الزمن إلى عادة.
كما أن نجاح القطار فائق السرعة دليل قاطع على أن الإصلاح ممكن حين تتوفر الإرادة وتُحكم الحكامة. غير أن النجاح الاستثنائي لا يعفي من إنصاف اليومي. المطلوب إصلاح شامل يردّ الاعتبار للمواعيد، للمرافق، وللمسافر قبل الصورة. دون ذلك، سيظل القطار شاهدًا على تحديثٍ انتقائي، يُسرّع حيث تُلتقط الصور، ويتعثّر حيث يعيش الناس.






