في واقع سياسي تُفترض فيه المعارضة أن تُربك الأغلبية الحكومية، قرر ادريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يُربك نفسه.
لقد استقال عزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، فاهتزّ إدريس لشكر كما لو أن الزلزال ضرب مقر الاتحاد الاشتراكي بشارع العرعار، لا مقر حزب “الحمامة”.
دموع هنا، أسى هناك، ونبرة توحي بأن المعارضة فقدت عمودها الفقري.. لا خصمها السياسي.
أيّ مهزلة هذه؟
زعيمُ معارضةٍ يتعامل مع استقالة خصمه كما يتعامل الورثة مع فقدان المُعيل.
والأكثر إيلاما للسخرية أن قياديي حزب التجمع الوطني للأحرار لم يجدوا أنفسهم في موقع الحزن، بل في موقع المواساة.
نعم، قياديو “الأحرار” يعزّون إدريس لشكر وأعضاء حزب الاتحاد الاشتراكي في “رحيل” أخنوش أكثر مما يعزّون أنفسهم.
حزبٌ يقود الحكومة يوزّع التعازي، وحزبٌ في المعارضة يتلقّى المواساة.
إنه انقلابٌ كامل في الأدوار، بلا انقلابٍ سياسي واحد.
لشكر لم يسأل: ماذا يعني هذا التحوّل داخل حزب التجمع الوطني للأحرار؟
لم يتساءل: هل يفتح ذلك ثغرة سياسية؟
بل انشغل بالسؤال الأخطر: كيف سنواصل الحياة السياسية من دون عزيز أخنوش؟
هنا لا تعود السخرية ضرورة تفسير. لأن السياسة، حين تتحوّل إلى علاقة وجدانية بين الخصوم، تفقد معناها.
المعارضة ليست جمعية صداقة، ولا الحكومة دار أيتام تُواسي من فقد الإحساس بالدور.
قد تكون الاستقالة إجراء حزبيا عاديا في الواجهة، أو هكذا جرى الترويج لها، لكن تحويلها إلى مأتمٍ معارض فضيحة سياسية من العيار الثقيل.
لقد بكى ادريس لشكر لأن السياسة، في نسختها الحالية، لم تعد معركة مواقف، بل تبادل مجاملات.
لقد بكى لأن حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان يومًا كابوس السلطة، صار اليوم بحاجة إلى خصمه ليشعر بأنه ما زال موجودًا.
وعندما تبلغ المعارضة هذا المستوى من التعلّق، لا تعود الحكومة في حاجة إلى تبرير فشلها.. يكفيها أن تُربّت على كتف خصمها.
في السياسة، لا شيء أخطر من معارضةٍ تحزن حين يتغيّر خصمها، ولا شيء أبلغ سخرية من حكومة تُعزّي معارضيها… وتواصل الحكم بهدوء.






