بقلم: ادريس جاكاني
من يقرأ ما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية عن المغرب، يدرك منذ السطر الأول أنه ليس أمام تحقيق صحفي جاد، بل أمام فبركة متعمدة، نسجت بخيوط رخيصة من اقتباسات مبتورة، وحكايات قديمة أُعيد تدويرها، ومصادر “شبحية” لا وجود لها إلا في مخيلة من كتبوا المقال. والنتيجة، نصوص فاقدة للروح المهنية، تنضح بالتحامل وتُسَوَّق كحقيقة مطلقة، بينما هي في الواقع إعادة إنتاج لتقارير بائدة ومقولات مشوهة.
إن ما قامت به لوموند ليس سوى سرقة فكرية مفضوحة. فالمقاطع المنقولة بالحرف عن كتابات جان بيير توكوا أو غيره، لم تُنسب لأصحابها، بل قُدّمت للقارئ كأنها اكتشافات جديدة. والأسوأ أن الجمل الأصلية عُدّلت بطريقة ماكرة لتصب في خانة واحدة هي رسم صورة نمطية للملك محمد السادس كمستمتع بالسلطة بعيداً عن مسؤولياتها، مع أن النصوص الأصلية تقول العكس تماماً. إنها إذن ممارسة تشويه متعمد، لا يليق بصحافة تحترم نفسها، فما بالك بجريدة ادعت يوماً أنها منبر “المرجعية العالمية”.
الصحفيان كريستوف آياد وفريديريك بوبان لم يخفيا ضعفهما، بل اعترفا بأن “أغلب المعلومات صعب التأكد منها”. أي تحقيق هذا الذي يبدأ بإعلان عجزه عن التحقق؟ في عرف الصحافة الجادة، هذا يسمى سقوطاً مهنياً. أما في قاموس لوموند، فهو تفصيل، ما دام الهدف النهائي هو تمرير أطروحة “نهاية حكم” وخلق أجواء تشكيك وضبابية حول استقرار المغرب ومؤسساته.
الحقيقة أن ما كتبته لوموند ليس وليد اليوم، بل استمرار لمسار انحداري طويل. الصحيفة التي كانت ذات يوم مدرسة في الرصانة والتحقيق، صارت اليوم تقتات على الإثارة الرخيصة، وتخدم أجندات سياسية معروفة، وتستثمر في صورة المغرب كـ“الموضوع الأسهل”: بلد إفريقي آمن، لكن يُقدَّم دائماً كاستثناء قابل للاهتزاز.
لكن هذه الحملة، مهما بدت منسقة وممنهجة، لن تُغيّر شيئاً في واقع قائم حيث أن المغرب ماضٍ في مساره بثقة، ملكاً وشعباً، يحقق الإنجازات ويواجه التحديات. أما لوموند، فقد فقدت ما تبقى من رصيدها الأخلاقي والمهني، وصارت تُعرف بما هي عليه اليوم كونها صحيفة متعبة، تستند إلى خيال صحفيين يبيعون الوهم ويقتاتون من أرشيف أصفر، في غياب أي قدرة على التجديد.
إن ما يحتاجه المغرب ليس رداً على هراء لوموند، بل استثمار في إعلام وطني قوي، قادر على كشف الزيف ومقارعة الدعاية بالدليل والحجة. فالمعركة ليست مع صحيفة تعيش على أمجاد الماضي، بل مع سردية مغرضة تريد أن تزرع الشك في استقرار بلد أثبت عبر التاريخ أنه لا يهتز.
وإذا كان لزاماً أن نوجه كلمة لـ لوموند، فهي التالية: لقد أخطأتم الهدف. المغرب لا يُقاس بمزاج صحفيين يتوهمون “التحقيق”، بل يقاس بتاريخ ملكية ضاربة في الجذور، وبشعب يعرف كيف يميز بين الحقيقة والدجل. وما كتبتُم ليس تحقيقاً… بل شهادة وفاة لصحيفتكم كمنبر محترم.