حذّرت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، من خطورة الإعلان عن برامج تنموية غير واقعية وغير قابلة للتنزيل، مؤكدة أن هذا النهج يؤدي إلى تحويل المشاريع إلى مجرد التزامات شكلية تبقى حبيسة الوثائق دون أثر فعلي على الأرض.
وخلال عرض قدمته، اليوم الثلاثاء، أمام البرلمان بغرفتيه حول التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025، أوضحت العدوي أن من أصل 78 اتفاقية موقعة أمام الملك خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2020، لم يُستكمل تنفيذ الأشغال سوى في 32 برنامجًا فقط، أي بنسبة 41 في المائة، وبغلاف مالي لم يتجاوز 16,6 مليار درهم، من أصل حوالي 184 مليار درهم كان من المفترض رصدها، أي ما يعادل 9 في المائة فقط من الكلفة الإجمالية المعلنة.
ودعت العدوي إلى استخلاص الدروس من اختلالات الماضي وأسباب تعثر المشاريع، والعمل على معالجتها تفاديًا لتكرارها، خاصة في ظل استعداد المغرب لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
وشددت في هذا السياق على ضرورة التحلي بالواقعية عند إعداد البرامج، عبر تحديد أهداف ومشاريع قابلة للتنفيذ، تتلاءم مع القدرة الفعلية على تعبئة الموارد المالية واحترام الآجال الزمنية، بما يعزز مصداقية التخطيط العمومي والثقة في الالتزامات المؤسساتية.
وبخصوص تقييم برامج التنمية الترابية المندمجة خلال الفترة ما بين 2008 و2022، أفادت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات أن نسبة البرامج التي اكتملت مشاريعها لم تتجاوز 26 في المائة من حيث العدد، و14 في المائة من حيث المبلغ، أي 41 برنامجًا فقط بتكلفة تناهز 6,3 مليار درهم، من أصل 158 برنامجًا بغلاف مالي إجمالي يقدر بنحو 45 مليار درهم.
وأبرزت أن المشاريع المنجزة في إطار برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية ركزت، في الغالب، على صيانة وإعادة تأهيل بنيات قائمة، أكثر من إحداث مرافق جديدة أو توسيع العرض القائم، رغم أن الأهداف الأساسية لهذا البرنامج كانت ترمي إلى تعزيز العدالة المجالية وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية، خاصة في الوسطين القروي والجبلي.
كما دعت العدوي إلى تجاوز المقاربة الكمية في تتبع المشاريع، التي تقتصر على نسب الإنجاز أو استهلاك الاعتمادات، واعتماد مقاربة نوعية تقوم على قياس الأثر الفعلي للاستثمارات العمومية على المواطن وعلى الاقتصادين المحلي والترابي.
واعتبرت أن تحقيق الأهداف المتوخاة من برامج التنمية الترابية يظل رهينًا بإرساء مقاربة أكثر تكاملًا، تقوم على تعزيز التنسيق المسبق بين مختلف المتدخلين، وربط التمويل بالنتائج، بما يساهم في تسريع وتيرة الإنجاز وتثمين الأثر التنموي للاستثمار العمومي.
وفي هذا الإطار، سجل المجلس الأعلى للحسابات أن ضعف التنسيق، وتأخر إنجاز الدراسات التقنية، وعدم تعبئة الوعاء العقاري في الوقت المناسب، إضافة إلى تفاوت القدرات التدبيرية بين الفاعلين الترابيين، شكلت أبرز العوامل التي حدّت من تحقيق الأهداف داخل الآجال المحددة.
ونبهت العدوي إلى أن إغفال عناصر الاستغلال والصيانة في مرحلة تصميم البرامج أدى إلى تعثر عدد من المشاريع المنجزة، حيث جرى، في حالات متعددة، التفكير في كيفية الاستغلال فقط بعد انتهاء الأشغال، دون تحديد الجهة المسؤولة عن التشغيل والصيانة، أو تأمين الموارد المالية اللازمة لذلك، ما انعكس سلبًا على استدامة هذه المشاريع.
وكشفت في هذا السياق أن مهمة موضوعاتية أنجزتها المجالس الجهوية للحسابات سنة 2021 أظهرت أن حوالي 48 في المائة من أصل 2.635 مشروعًا متعثرًا تواجه صعوبات على مستوى الاستغلال، مشيرة إلى أن المجلس يواصل تتبع الإجراءات المتخذة لمعالجة هذه الإشكالات وضمان تحقيق الأهداف التنموية المرجوة.






