شهدت الحدود المغربية–الجزائرية، خلال الأيام الأخيرة، حادثاً مأساوياً أعاد التوتر الإنساني إلى واجهة النقاش، بعد إقدام عناصر من الجيش الجزائري على إطلاق النار بمنطقة لغنانمة التابعة لولاية بشار، المحاذية لإقليم بوعرفة بإقليم فجيج، ما أسفر عن مصرع ثلاثة مواطنين مغاربة وتوقيف رابع، وفق ما أعلنته السلطات الجزائرية، بدعوى الاشتباه في ارتباطهم بقضية تهريب مخدرات.
ولا تزال عائلات الضحايا، إلى حدود الساعة، تنتظر تسلّم جثامين أبنائها قصد نقلها إلى التراب المغربي ودفنها.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن البلاغ الصادر عن وزارة الدفاع الجزائرية جرى تداوله على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وتحدث عن “عملية أمنية” انتهت بمقتل ثلاثة مغاربة واعتقال رابع، مع حجز كمية من المخدرات وبندقية صيد وأدوات أخرى. غير أن هذه الرواية تبقى، إلى الآن، المصدر الرسمي الوحيد المتوفر بخصوص الواقعة.
وتفيد المعلومات المتداولة محلياً بأن الضحايا الأربعة ينحدرون من قبيلة أولاد رمضان، إحدى قبائل بني كيل المعروفة باستقرارها التاريخي على الشريط الحدودي المغربي–الجزائري، والتي ارتبط اسمها بمقاومة الاستعمار الفرنسي، كما ساندت الثورة الجزائرية خلال خمسينيات القرن الماضي.
وأكدت مصادر حقوقية في تصريحات لموقع “هاشتاغ” أن الضحايا شباب معروفون في محيطهم الاجتماعي، تتراوح أعمارهم بين 20 و50 سنة، ويزاولون أنشطة مرتبطة بتربية الماشية والكسب اليومي في بادية بوعرفة.
وفي غياب أي معطيات رسمية أو تحقيق محايد، تظل الاتهامات المتعلقة بالتهريب غير محسومة، حيث تؤكد القواعد القانونية الدولية أن قرينة البراءة تظل قائمة إلى أن تثبت الإدانة بحكم قضائي نهائي.
وتثير هذه المعطيات، وفق فاعلين حقوقيين، تساؤلات جدية حول ظروف استعمال القوة المميتة، وحول مدى احترام الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، خاصة وأن الواقعة انتهت بمقتل ثلاثة مدنيين في منطقة حدودية مفتوحة.
وفي هذا السياق، شددت جهات حقوقية على أن الأدلة التي تم الترويج لها، حتى في حال صحتها، لا تشكل مبرراً قانونياً لإزهاق أرواح أشخاص خارج أي مسار قضائي، مذكّرة بأن القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان تحمي الحق في الحياة باعتباره حقاً أصيلاً لا يجوز المساس به تعسفاً.
كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين صادقت عليهما الجزائر، ينصان صراحة على حماية السلامة الجسدية ورفض الإعدام خارج نطاق القانون.
وتطالب فعاليات حقوقية بفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الحادث، يحدد المسؤوليات ويكشف حقيقة ما جرى على الأرض، بعيداً عن الروايات الأحادية. كما دعت إلى تمكين عائلات الضحايا من حقوقها الإنسانية، وفي مقدمتها استرجاع جثامين أبنائها ودفنهم وفق التقاليد المعمول بها.
ويعيد هذا الحادث إلى الواجهة سلسلة وقائع مماثلة شهدها الشريط الحدودي منذ إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر في تسعينيات القرن الماضي، حيث سُجلت حالات قتل لمواطنين مغاربة في ظروف متباينة، من بينهم رعاة ماشية وباحثون عن الكمأ وآخرون ضلوا الطريق أو وجدوا أنفسهم في مناطق عسكرية مغلقة، في سياق يثير أسئلة متجددة حول حماية المدنيين وضمان الحق في الحياة بالمناطق الحدودية.
وفي انتظار توضيحات إضافية أو فتح تحقيقات رسمية مستقلة، يظل الحادث محط متابعة واسعة من قبل الرأي العام الوطني، وسط دعوات إلى تحرك دبلوماسي وحقوقي عاجل، وإلى تفعيل آليات الترافع الدولية من أجل عدم إفلات أي انتهاك جسيم للحقوق الأساسية من المساءلة.






