في سياق تتقاطع فيه الرياضة بالسياسة، والحماس الشعبي بأسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية، عاد الجدل حول دور كرة القدم وحدود تأثيرها في الوعي الجماعي للمغاربة إلى الواجهة، خاصة مع الزخم الكبير الذي رافق مشاركة المنتخب الوطني في كأس إفريقيا الجارية.
وبين نشوة الانتصار الرياضي ومخاوف الانزلاق نحو تغييب الأولويات الكبرى، برز صوت سياسي حقوقي مخضرم يقرأ الظاهرة بعيون نقدية متزنة، محاولًا تفكيك أبعادها الرمزية والنفسية، دون السقوط في منطق التهوين أو التقديس.
في هذا السياق، أكد مصطفى الرميد، وزير العدل وحقوق الإنسان الأسبق، أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة أو لهو عابر، بل تحولت إلى مجال للاستثمار والتجارة المربحة، ورافعة للتنمية، وأداة فعالة للتعبئة الشعبية، مشددًا في المقابل على أن هذا الزخم الرياضي لا ينبغي أن يُنسي المغاربة حجم التحديات والمشاكل الحقيقية التي تواجههم.
وأوضح الرميد، في تدوينة تفاعل فيها مع أجواء كأس إفريقيا الجارية، أن المنتخب الوطني المغربي نجح في السيطرة على النفوس وشحنها نحو هدف جماعي واحد، حيث أصبح حديث الصغار والكبار، والنساء والرجال، في المدن والقرى، معبّرًا عن حالة تعبئة وطنية غير مسبوقة، جعلت فئات واسعة من المغاربة تترك انشغالاتها اليومية لمتابعة مباريات المنتخب، خاصة المواجهة المرتقبة أمام نيجيريا، بكل ما تحمله من حماس وحمية وطنية.
واعتبر الوزير الأسبق أن هذا الوضع، مهما اختلفت حوله التقييمات، يعكس حالة نفسية جماعية يتغلب فيها الحس الوطني، حيث يتحول الانتصار الرياضي إلى رمز معنوي لا يقل أهمية عن المكاسب المادية، ويصبح الفريق الوطني بمثابة “الأنا الجماعية” التي توحد ما فرقته المصالح والمواقع، وتعيد لحمة الشعور بالانتماء المشترك، في مشهد تعبوي نادر تقوم فيه الرياضة بتجسيد الوحدة الوطنية.
وفي المقابل، أشار الرميد إلى أن الهزيمة الكروية لا تنعكس فقط على النتيجة الرياضية، بل تخلّف شعورًا بالخيبة والانكسار لدى الفريق المنهزم وجمهوره، وهو ما يدل، بحسبه، على أن التنافس الكروي بات يحمل أبعادًا رمزية وطنية عميقة، جعلت كرة القدم تحظى بدعم جماعي واسع ومساندة شعبية تتجاوز حدود الترفيه.
وختم مصطفى الرميد تصريحه بالتأكيد على أن هذا الزخم الوطني، رغم أهميته، لا يجب أن يحجب الوعي بأولويات البلاد، معربًا عن أمله في أن يتعزز أي انتصار رياضي بانتصارات موازية على صعيد التنمية، ومواجهة الفقر والبطالة والمرض، والتصدي لمختلف مظاهر التخلف، حتى يكتمل معنى الانتصار في أبعاده الرياضية والاجتماعية والاقتصادية.






