كشفت اللوائح الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية الخاصة بالمرشحين المنتقين لشغل مناصب مدراء المراكز الاستشفائية الجهوية والإقليمية ومستشفيات القرب الشاغرة، عن أزمة عميقة في تدبير القطاع الصحي، تُترجمها ظاهرة العزوف غير المسبوقة عن تحمّل المسؤولية، في صفعة مباشرة لسياسة الوزير الوصي التي اختزلت الإصلاح في فتح مباريات شكلية دون معالجة جوهر الاختلالات.
وتعكس المعطيات الواردة في هذه اللوائح فشلاً بنيوياً في جعل مناصب المسؤولية الصحية مواقع جذب، لا إدارياً ولا مهنياً. ففي جهة الدار البيضاء–سطات، لم يتم انتقاء مدراء لأربع مستشفيات إقليمية من أصل خمسة، باستثناء مستشفى ابن مسيك، بينما فشل التباري كلياً في مستشفى القرب سيدي مومن، ولم يتقدم أي مترشح لإدارة مستشفى القرب بخميس الزمامرة.
الصورة نفسها تتكرر بحدة أكبر في جهة الشرق، حيث غاب أي مترشح عن ثلاث مستشفيات إقليمية من أصل خمسة، وهي الدريوش وجرادة وفكيك، إلى جانب ثلاثة مستشفيات قرب من أصل أربعة.
هذا النزيف الإداري امتد إلى جهات وأقاليم أخرى، من تاونات إلى طاطا، ومن زاكورة إلى أسا الزاك، مروراً ببولمان وقلعة السراغنة والرشيدية وورزازات وميدلت، في واقع يعكس انهيار الثقة في منظومة تدبير المستشفيات العمومية، ويفضح عجز وزارة الصحة عن توفير الحد الأدنى من شروط العمل والتحفيز وتحمل المسؤولية.
واعتبرت مصادر نقابية في تصريحات لموقع “هاشتاغ” أن هذا الوضع هو نتيجة مباشرة لسياسة غضّ الطرف عن الأعطاب المزمنة التي تنهك القطاع، من خصاص حاد في الموارد البشرية، إلى غياب الوسائل اللوجستيكية، مروراً بهيمنة منطق التسييس وتوظيف المؤسسات الصحية في حسابات انتخابية ضيقة، ما حوّل مناصب الإدارة إلى مواقع محفوفة بالمخاطر بدل أن تكون فضاءات للإصلاح والتدبير.
وفي ظل هذا الانسداد، يستمر الاحتقان الاجتماعي داخل القطاع، حيث أعلنت مكونات التنسيق النقابي الوطني للصحة مواصلة أشكالها الاحتجاجية، احتجاجاً على ما تصفه بتراجع الحكومة عن التزاماتها الموقعة في اتفاق يوليوز 2024. وهو ما يضع وزير الصحة أمام مسؤولية سياسية مباشرة، بعدما بات واضحاً أن المقاربة المعتمدة لا تنتج سوى مزيد من الفراغ الإداري وتدهور الخدمات، يدفع المواطن ثمنه يومياً في مستشفيات فقدت من يديرها، قبل أن تفقد قدرتها على العلاج.






