عندما تعلن مؤسسة تدير مدخرات المواطنين وصناديق تقاعدهم عن ضخ 100 مليار درهم في مشاريع استثمارية في أفق 2030، فالأمر يتجاوز بلاغا مؤسساتيا أنيقا أو عرضا يحمل عنوانا جذابا من قبيل “CAP 2030”، حيث أننا أمام رقم يعادل نسبة معتبرة من الناتج الداخلي الخام، وأمام تحول استراتيجي يضع صندوق الإيداع والتدبير في قلب المعادلة الاقتصادية الوطنية.
إن المؤسسة التي راكمت حضورا قويا خلال السنوات الماضية، تقدم نفسها اليوم في صورة “المستثمر الشامل”. صناعة دوائية، إنتاج لقاحات، طاقات متجددة، تحلية مياه، شبكات نقل طاقي، بنية تحتية، سياحة، مشاريع صناعية في الأقاليم الجنوبية… لائحة ممتدة توحي بأن الصندوق يوسع نطاق تدخله ليغطي طيفا واسعا من القطاعات الاستراتيجية.
لكن السؤال الأول يظل بسيطا في صياغته، عميقا في دلالته: ما طبيعة الأموال التي ستُستثمر؟. إنها في جوهرها أموال الادخار الشعبي للمغاربة وصناديق التقاعد. أي أن المخاطرة الاستثمارية لا يتحملها رأسمال خاص يبحث عن عائد مرتفع مقابل مخاطرة محسوبة، بل تتحملها موارد يفترض أن تُدبر بأقصى درجات التحفظ المالي والانضباط في إدارة المخاطر.
يتحدث خالد سفير المدير العام لصندوق الايداع والتدبير عن تعزيز السيادة الاقتصادية واستعادة هوامش القرار الوطني في سياق عالمي مضطرب، غير أن السيادة الاقتصادية تُبنى على صلابة الحكامة قبل ضخامة الأرقام.
فهل جرى نشر دراسات جدوى تفصيلية لكل محور استثماري؟ ما سقف المخاطر المقبول؟ كيف ستتم مراقبة الانحرافات عن الميزانيات الأصلية؟ ومن يتحمل المسؤولية في حال التعثر؟
إن ضخ 100 مليار درهم في محفظة متعددة القطاعات يفرض أسئلة دقيقة حول هيكلة الأصول وإدارة المخاطر. ما هو متوسط معدل العائد الداخلي المتوقع (IRR) لهذه المشاريع؟ وهل يتجاوز كلفة رأس المال المرجحة (WACC) في ظل بيئة دولية تعرف ارتفاعا في أسعار الفائدة وتقلباًة في أسواق التمويل؟ وكيف سيتم توزيع الاستثمارات بين أصول ذات عائد ثابت وأخرى ذات مخاطر مرتفعة؟ أي اختلال في هذا التوازن قد يؤثر على الملاءة طويلة الأمد، خاصة أن جزءاً مهماً من موارد الصندوق مرتبط بالتزامات تقاعدية تتطلب تدفقات نقدية مستقرة وقابلة للتنبؤ.
كما أن التركيز على قطاعات رأسمالية كثيفة، مثل الطاقة وتحلية المياه والبنيات التحتية، يعني دورات استرجاع طويلة لرأس المال (Payback Period) وحساسية مرتفعة تجاه تضخم الكلفة وتأخر الإنجاز، إذ أنه في مشاريع من هذا النوع، أي انزلاق في الجدولة الزمنية أو في التقدير الأولي للتكاليف قد يؤدي إلى تآكل القيمة الحالية الصافية (NPV) وتقليص هامش الربحية.
ثم هناك مسألة تركّز المخاطر القطاعية. دخول صندوق الايداع والتدبير بقوة في مجالات متعددة في وقت واحد قد يرفع درجة التعرض لمتغيرات تنظيمية وسوقية متزامنة، حيث أن أي تغير في سياسة دعم الطاقة، أو تقلب في أسعار المواد الأولية، أو تعديل في الإطار الضريبي، قد ينعكس بشكل متقاطع على أكثر من مشروع. في هذه الحالة، يصبح تنويع المخاطر ضرورة حتمية لا خيارا استراتيجيا.
وإلى جانب البعد المالي، يبرز سؤال توزيع الأدوار داخل الاقتصاد الوطني، حيث عندما تتمدد مؤسسة عمومية بهذا الحجم داخل قطاعات استراتيجية، هل تلعب دور المحفز للاستثمار الخاص أم تتحول إلى فاعل مهيمن يعيد رسم خريطة المنافسة، وذلك باعتبار أن الاقتصاد المتوازن يقوم على وضوح في الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى شراكة قائمة على التكامل لا المزاحمة.
إن الرهان على رفع تعبئة الادخار الوطني من 35 إلى 45 مليار درهم سنوياً يضيف طبقة أخرى من التعقيد. الثقة في المؤسسات المالية لا تُبنى عبر الطموح الرقمي وحده، بل عبر شفافية كاملة في نشر المعطيات المتعلقة بالأداء والمخاطر والانحرافات، حيث أن المواطن الذي يضع مدخراته في منظومة يشرف عليها الـCDG من حقه أن يعرف كيف تُستثمر هذه الموارد، وما هو العائد المتوقع، وما حدود المخاطرة المقبولة.
لقد أظهرت تجارب سابقة في مشاريع كبرى داخل المغرب وخارجه أن التحدي لا يكمن في إطلاق البرامج الاستثمارية، بل في تتبعها وضبط كلفتها وضمان انسجامها مع الأهداف المعلنة. أي فجوة بين الخطاب والنتائج تترجم لاحقاً إلى ضغط على التوازنات المالية، أو إلى التزامات إضافية تثقل كاهل المالية العمومية.
100 مليار درهم يمكن أن تشكل رافعة قوية لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد المغربي، وتعزيز حضوره في سلاسل القيمة العالمية، وتأمين قطاعات حيوية كالماء والطاقة والصناعة الدوائية. غير أن هذا المسار يظل رهيناً بقدرة الصندوق على ترسيخ حكامة صارمة، وإرساء آليات مراقبة مستقلة، ونشر تقارير دورية مفصلة تتضمن مؤشرات واضحة حول العائد والمخاطر ونسب الإنجاز.
وبين الطموح المشروع وحجم المسؤولية الثقيلة، يقف صندوق الإيداع والتدبير أمام اختبار حقيقي. إما أن يبرهن أن إدارة الادخار الوطني تخضع لمنطق مالي دقيق يوازن بين العائد والمخاطرة والسيولة، أو أن يفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول حدود التوسع الاستثماري ومآلاته.
إن القضية تتعلق بثقة المغاربة في أن أموالهم تُدبر بحسابات مدروسة، وأن كل درهم يُستثمر يمر عبر غربال الحكامة قبل أن يدخل دائرة المخاطرة.