في خطوة بدت هادئة في شكلها، لكنها ثقيلة في دلالاتها السياسية، أعلن عزيز أخنوش عمليا بداية نهاية مساره الحزبي والسياسي، واضعا حدا لمرحلة استثنائية قاد فيها حزب التجمع الوطني للأحرار والحكومة في آن واحد، ومفجرا في الآن نفسه نقاشا واسعا حول ما بعد “رجل المرحلة” داخل حزب “الحمامة”.
الإعلان لم يأت عبر بلاغ رسمي ولا من منصة حزبية، بل خرج به عزيز أخنوش شخصيا خلال لقاء تواصلي مع مدراء نشر منابر إعلامية بالرباط، حيث كشف أن ولايته على رأس حزب “الحمامة” ستنتهي بعقد مؤتمر وطني استثنائي يوم 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة، مؤكدا أنه لن يترشح مجددا لرئاسة الحزب، كما حسم بشكل نهائي قراره بعدم خوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
بهذا التصريح، يكون عزيز أخنوش قد أغلق، سياسيا، باب الاستمرارية داخل الحزب والحكومة، واضعا نفسه خارج معادلة الخلافة الحكومية والحزبية المقبلة، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها انسحابا منظما مخططا له منذ مدة، وهو ما سبق أن كشف عنه موقع “هاشتاغ” في وقت سابق.
وخلال اللقاء ذاته، شدد رئيس الحكومة على أن قراره “شخصي وقناعة ذاتية”، مؤكدا أنه حُسم منذ بداية السنة، وأنه يرفض منطق “الترشح المفتوح” ويرى أن حصر رئاسة الحزب في ولايتين فقط هو الخيار الديمقراطي السليم، انسجاما مع الفصل 34 من النظام الأساسي للحزب. غير أن هذا التبرير لم يخفِ، في نظر متابعين، عمق التحولات التي يعرفها الحزب، ولا حجم الضغوط السياسية والتنظيمية التي راكمتها مرحلة أخنوش.
ولم يُخفِ رئيس الحكومة وجود نقاش داخلي حاد داخل المكتب السياسي، حيث أقر بأن عددا من أعضائه تمسكوا باستمراره على رأس الحزب، قبل أن يتمكن من إقناعهم بأن “الحزب ليس إرثا شخصيا”، وأن الوقت قد حان لتجديد القيادة وتسليم المشعل. عبارة تختزل، في عمقها، إدراكا متأخرا لمعضلة الشخصنة التي طبعت تجربة “الأحرار” خلال السنوات الأخيرة.
لقد حرص عزيز أخنوش، في المقابل، على تقديم حصيلة سياسية وتنظيمية لمرحلة قيادته، معتبرا أنه يترك الحزب في “وضعية جيدة”، بعد ما وصفه بتحول عميق شمل التنظيم الجهوي، تحديث المقرات، وبناء مؤسسات حزبية جديدة، إلى جانب إطلاق مبادرات مثل “مسار الثقة” و”مسارات المدن”، مع الإعلان عن قرب إطلاق “مسار الإنجاز”. غير أن هذه القراءة الوردية لا تحجب حقيقة أن الحزب يدخل اليوم مرحلة فراغ قيادي حقيقي، في غياب أسماء بارزة قادرة على وراثة الزعامة بنفس الوزن السياسي والانتخابي.
الأكثر دلالة في هذا المسار، هو إعلان أخنوش عدم الترشح في الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو قرار يتجاوز البعد الحزبي ليؤشر على انسحاب تدريجي من المشهد السياسي الوطني، مع نهاية الولاية الحكومية. قرار يُنهي فعليا فرضية “العودة” أو الاستمرارية، ويضع نقطة النهاية لمسار جمع بين السلطة الاقتصادية والسياسية في شخص واحد.
وبهذا الإعلان، لا يطوي عزيز أخنوش صفحة رئاسته لحزب التجمع الوطني للأحرار فقط، بل يسدل الستار على مرحلة سياسية كاملة ارتبطت باسمه، بما لها وما عليها، ويفتح الباب أمام مرحلة انتقالية دقيقة داخل حزب يقود الحكومة، ويجد نفسه اليوم أمام امتحان حقيقي: هل ينجح في تجاوز منطق الزعيم الواحد، أم يدخل في ارتباك تنظيمي قد يمتد أثره إلى ما بعد الاستحقاقات المقبلة؟
هكذا، وبهدوء محسوب، خرج عزيز أخنوش من دائرة الصراع، لكن “سقوطه السياسي” – بمعناه الرمزي – كشف هشاشة البناء الحزبي، وأعاد إلى الواجهة سؤال الديمقراطية الداخلية، وحدود الزعامة، وثمن الحكم في وقت الأزمات.






