نفق القرن بين إسبانيا والمغرب.. هل يتحول الحلم إلى واقع خلال عقد؟

عاد مشروع إنشاء نفق سككي ضخم تحت مضيق جبل طارق إلى الواجهة، بعد تقديم تصور مشترك إسباني–مغربي بالعاصمة مدريد في نهاية دجنبر 2025، يهدف إلى ربط القارتين الأوروبية والإفريقية عبر خط حديدي فائق الأهمية، قد يتحول إلى أكبر مشروع بنية تحتية مشترك بين إسبانيا والمغرب.

وبحسب معطيات نشرتها وسائل إعلام أوروبية، من بينها منصة دويتشه فيله، يتوقع القائمون على المشروع أن يستعمل النفق حوالي 13 مليون مسافر سنوياً، وأن يختصر زمن العبور بين الضفتين إلى نحو 30 دقيقة فقط.

يرجع النقاش حول ربط القارتين عبر مضيق جبل طارق إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث طُرحت آنذاك مشاريع لجسر أو نفق، لكنها اصطدمت بتعقيدات تقنية ومالية كبيرة. ويؤكد مؤرخون وخبراء أن عمق المضيق، والنشاط الزلزالي، والتيارات البحرية القوية، إضافة إلى الرياح، جعلت فكرة الجسر مستحيلة، كما تم التخلي سابقاً عن نفق طرقي بسبب مخاطر التهوية والسلامة.

في المقابل، يرى مختصون أن النفق السككي يبقى الخيار الأكثر واقعية، خاصة مع توفر إرادة سياسية لدى البلدين في الظرفية الحالية.

وبحسب مهندسين مشاركين في النقاشات الأولية، سيبلغ طول النفق حوالي 42 كيلومتراً، منها 28 كيلومتراً تحت قاع البحر، وعلى عمق يصل إلى 470 متراً. وسيتضمن المشروع ثلاثة مسارات: اثنان لحركة القطارات، وثالث مخصص للصيانة وحالات الطوارئ.

وستربط المنشأة بين جنوب إسبانيا وشمال المغرب، بما يسمح بانتقال الركاب والبضائع بسرعة قياسية بين أوروبا وإفريقيا.

أُسند إعداد الدراسات التقنية الأولية إلى الشركة الإسبانية العمومية INECO، فيما قُدّرت الكلفة الأولية للمشروع بحوالي 15 مليار يورو، مع احتمال ارتفاعها لاحقاً.

وتعتزم إسبانيا ضخ 9 مليارات يورو، على أن يساهم المغرب والاتحاد الأوروبي في تغطية الجزء المتبقي. وقد تم بالفعل إنفاق أكثر من مليون يورو من أموال أوروبية على الأبحاث الأولية.

كما جرى الاستعانة بخبرة الشركة الألمانية Herrenknecht، المتخصصة في حفر الأنفاق الكبرى، والتي أوصت بالبدء بما يسمى “نفق اختباري” في أكثر المناطق حساسية زلزالياً.

رغم الجدية التي تبديها السلطات الإسبانية هذه المرة، يؤكد خبراء أن الأشغال لن تنطلق قبل سنة 2030 في أحسن الأحوال، وقد تمتد مدة الإنجاز ما بين 5 و10 سنوات.

في المقابل، أثار المشروع جدلاً سياسياً واسعاً داخل إسبانيا، إذ تعتبر تيارات محافظة أن النفق غير ضروري في ظل توفر النقل البحري والجوي، محذرة من أن يتحول إلى عامل إضافي لتشجيع الهجرة غير النظامية. ويستحضر معارضو المشروع تجربة “أزمة كاليه” سنة 2015 ومحاولات المهاجرين استغلال نفق المانش.

بين الرهانات الاقتصادية الكبرى، والتحديات التقنية المعقدة، والمخاوف السياسية والأمنية، يبقى نفق جبل طارق مشروعاً استراتيجياً طموحاً قد يعيد رسم خريطة الربط بين أوروبا وإفريقيا، لكنه ما يزال، إلى حدود اليوم، بين التفاؤل الحذر والشكوك الواقعية.