بقلم: البشير الغزوي
لطالما قدّم اليسار المغربي نفسه باعتباره تيارًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا، منحازًا إلى قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. غير أن موقف جزء معتبر من هذا اليسار من الأزمة الفنزويلية كشف عن مفارقة عميقة: الدفاع غير المشروط عن نظام سلطوي، باسم مناهضة الإمبريالية، ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذه المفارقة لا تعكس فقط ارتباكًا في قراءة الواقع الدولي، بل تكشف أزمة فكرية وسياسية بنيوية داخل اليسار المغربي.

أولًا: الأزمة الفنزويلية… أكثر من مجرد صراع مع الإمبريالية
لا يمكن اختزال ما يجري في فنزويلا في كونه “مؤامرة أمريكية” أو “حصارًا إمبرياليًا” فقط. صحيح أن الولايات المتحدة لعبت دورًا تخريبيًا واضحًا عبر العقوبات والتدخل السياسي، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية النظام الفنزويلي نفسه في الانهيار الاقتصادي، وتدمير المؤسسات، وتفكيك التعددية السياسية.
فنزويلا اليوم تعيش:
انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق رغم الثروات النفطية الهائلة.
هجرة جماعية لملايين المواطنين هربًا من الفقر وانعدام الأفق.
قمعًا سياسيًا للمعارضة، وتضييقًا على الإعلام والمجتمع المدني.
هذه الوقائع الملموسة يتم تجاهلها أو تبريرها من طرف بعض أصوات اليسار المغربي، وكأن معاناة الشعب الفنزويلي تفصيل ثانوي في معركة أيديولوجية كبرى.
ثانيًا: اليسار المغربي ومنطق “المعسكر” بدل منطق القيم
جزء من اليسار المغربي لا يزال أسير عقلية الحرب الباردة:
“عدو عدوي صديقي”،
حتى وإن كان هذا “الصديق” نظامًا سلطويًا يقمع شعبه.
في هذا المنطق:
تصبح الديمقراطية “ترفًا بورجوازيًا”.
تُختزل حقوق الإنسان في خطاب انتقائي.
يُمنح الاستبداد “شرعية ثورية” لمجرد رفعه شعارات اشتراكية أو معادية لأمريكا.
وهكذا يتحول اليسار من قوة نقدية تحررية إلى مجرد محامٍ أيديولوجي لدكتاتوريات فاشلة، عاجز عن التمييز بين مقاومة الهيمنة الخارجية وبين استبداد داخلي لا يقل تدميرًا.
ثالثًا: التناقض الأخلاقي والسياسي
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه:
كيف يمكن لليسار المغربي أن يندد بالاستبداد والفساد في السياق الوطني، ثم يبرر القمع حين يصدر عن نظام “يساري” في أمريكا اللاتينية؟
هذا التناقض يفرغ الخطاب اليساري من مصداقيته، ويحوّله إلى خطاب مزدوج المعايير:
استبداد “رجعي” مدان.
استبداد “تقدمي” مبرر أو مُنكر.
والنتيجة هي فقدان البوصلة الأخلاقية، بل والأسوأ: الاصطفاف ضد الشعوب باسم الدفاع عنها.
رابعًا: أثر هذا الموقف على صورة اليسار المغربي
الدفاع عن نظام مادورو لا يضر فقط بصورة اليسار دوليًا، بل يعمّق أزمته داخليًا:
يعزز نفور الشباب من الخطاب اليساري باعتباره منفصلًا عن الواقع.
يؤكد صورة اليسار كتيار يعيش على نوستالجيا ثورية متجاوزة.
يضعف قدرته على بناء تحالفات ديمقراطية واسعة داخل المغرب.
فيسار يبرر القمع في الخارج، لن يُقنع أحدًا بأنه جاد في الدفاع عن الحرية في الداخل.
خامسًا: نحو يسار ديمقراطي كوني
إن الخروج من هذا المأزق يقتضي قطيعة فكرية واضحة مع:
تبرير الاستبداد باسم “السيادة الوطنية”.
اختزال الصراع العالمي في ثنائية إمبريالية/مقاومة.
اليسار المغربي مطالب اليوم بأن يكون:
منحازًا للشعوب لا للأنظمة.
ديمقراطيًا دون شروط أو استثناءات جغرافية.
ناقدًا للإمبريالية وللدكتاتوريات معًا.
خاتمة
إن نصرة بعض مكونات اليسار المغربي للنظام الفنزويلي ليست تعبيرًا عن وفاء للمبادئ، بل عن أزمة فكرية عميقة وعجز عن تجديد أدوات التحليل. فالدفاع عن الحرية لا يقبل التجزئة، والعدالة الاجتماعية لا تُبنى فوق أنقاض الديمقراطية.
يسار المستقبل هو يسار القيم الكونية، لا يسار الأصنام الأيديولوجية.





