في السياسة، لا تُقال الكلمات بلا قصد، ولا يُستدعى الخطاب الأخلاقي دون وظيفة، ولا يُختار التوقيت خارج حسابات دقيقة. من هذا المنطلق، يفرض تعقيب عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، أمام مجلس النواب يوم 19 يناير، قراءة سياسية عميقة، لأن ما ورد فيه بشأن الرسالة الملكية الموجّهة إلى المنتخب الوطني تجاوز الإطار التعبوي، ودخل مجال إدارة التوازنات والصراع داخل دوائر النفوذ.
حين قال أخنوش حرفيًا: «أنا قريت وتمعنت في الرسالة الملكية للفريق الوطني… وباش حتى واحد فينا ما يمشي غالط هذ المجهود ديال واحد الرجل، واحد السيد، هو جلالة الملك»، فإنه لم يكتف بإبداء الامتنان أو الإشادة، بل مارس فعلًا سياسيًا واضحًا يقوم على توجيه المعنى، وضبط التأويل، وتحديد من يُسمح له بالتحرك داخل هامش الإنجاز، ومن يُطلب منه التوقف عند حدوده.
إن اللغة المستعملة هنا ليست لغة احتفاء، بل لغة تحذير، حيث أن عبارة “حتى واحد فينا” تُستعمل حين يكون المقصود داخل الدائرة، و”ما يمشي غالط” لا تُقال إلا عندما يُعتقد أن هناك من توسّع في حضوره، أو راكم شرعية باتت تزعج مراكز القرار. الخطاب موجّه من داخل السلطة إلى داخلها، وليس إلى الرأي العام أو المدرجات.
ولا يمكن فصل هذا التعقيب عن السياق الذي راكم فيه فوزي لقجع نفوذًا مركبًا، يجمع بين رئاسة الجامعة الملكية لكرة القدم، وموقعه كوزير منتدب مكلف بالميزانية، وما أفرزته الإنجازات الرياضية من رصيد رمزي وشعبية واسعة. هذا التراكم، في منطق السياسة، يُقرأ كتحول في موازين التأثير، وهو ما يبدو أنه أقلق رئيس الحكومة.
غير أن الإشكال لا يكمن في وجود توازنات داخل الدولة، بل في الطريقة التي اختار بها عزيز أخنوش التعامل معها. فبدل خطاب مؤسساتي هادئ يؤكد التكامل بين المواقع، لجأ إلى خطاب يحتكر الرسالة الملكية ويحوّلها إلى أداة ضبط داخلي. وبدل ترسيخ فكرة أن النجاح الجماعي يقوّي الدولة، سعى إلى تحجيم من راكم هذا النجاح، عبر رسالة سياسية مموّهة.
إن استدعاء الرسالة الملكية بهذا الشكل لا يخلو من توظيف، لأن الرسائل السامية تُوجَّه لتوحيد الصف وتأطير اللحظة الوطنية، لا لإدارة تصفية الحسابات داخل النخب. وحين تُستعمل في سياق شدّ الحبل بين مواقع النفوذ، فإنها تُحمَّل بدلالات تتجاوز وظيفتها الأصلية.
إن تعقيب عزيز أخنوش، بهذا المعنى، لا يعكس اطمئنان موقعه، بل يكشف عن توتره. توتر نابع من حضور قوي لا يخضع للمنطق الحزبي، ولا يتحرك وفق هندسة الولاءات التقليدية. لذلك اختار رئيس الحكومة أسلوب الإيحاء بدل المواجهة، والتلميح بدل التصريح، وتقطير الرسائل بدل إعلان الخلاف.
وفي هذا المستوى من السياسة، لا يكون الرهان في ما قيل علنًا، بل في ما أُريد ضبطه ضمنيًا. فالكلمات هنا ليست توصيفًا، بل أداة سلطة. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا قال عزيز أخنوش، بل لماذا قاله بهذه الصيغة، وفي هذا التوقيت، ولماذا لا يجرؤ على مواجهة فوزي لقحع علنا.





