رغم المليارات التي ضختها الدولة لإنقاذها من الانهيار، ما تزال شركة الخطوط الملكية المغربية تغرق في دوامة الخسائر، في واقع يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى الدعم العمومي وحدود الحكامة داخل واحدة من أقدم المؤسسات الاستراتيجية بالمملكة، حيث بدل أن يتحول هذا الدعم إلى رافعة للإقلاع المالي وتحسين الخدمات، بات يُستحضر اليوم كعنوان لإشكال مزمن في التدبير وغياب المحاسبة.
هذا الوضع أعاد ملف “لارام” إلى الواجهة البرلمانية، بعدما فجّرت الأرقام المتداولة وحصيلة السنوات الأخيرة نقاشًا حادًا حول المال العام، ومردودية الإنقاذ، ومن يتحمل مسؤولية استمرار النزيف المالي في شركة يفترض أن تكون واجهة للمغرب في الخارج لا عبئًا دائمًا على الخزينة.
في هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية هند الرطل بناني، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سؤالًا كتابيًا إلى وزارة النقل واللوجستيك، استفسرت فيه عن الحصيلة الحقيقية للدعم المالي والإداري الذي استفادت منه الخطوط الملكية المغربية، خصوصًا بعد خطة الإنقاذ لسنة 2020، وما تلاها من برامج تمويل وضمانات قروض ضخمة.
السؤال البرلماني لم يكتفِ باستحضار الأرقام، بل وضع الوزارة الوصية أمام مسؤولياتها السياسية، متسائلًا عن أسباب استمرار الخسائر وتراجع التصنيف الدولي للشركة، رغم كل ما قُدّم لها من دعم استثنائي. كما طالب بتوضيحات حول آليات التتبع والمراقبة، ومدى احترام مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل مؤسسة يفترض أنها تخضع لإشراف الدولة.
وتشير المعطيات ةة إلى أن الحكومة خصصت منذ سنة 2020 تمويلات وضمانات قروض بمليارات الدراهم، بدعوى إنقاذ الشركة من الإفلاس، وتحديث أسطولها، وتحسين جودة خدماتها. غير أن النتائج على أرض الواقع لا تعكس هذا الحجم من الدعم، إذ ما تزال الشركة تواجه صعوبات على مستوى الربحية والتنافسية، وتراجعًا في تصنيفات الجودة والخدمات مقارنة بشركات إقليمية ودولية.
هذا التناقض بين حجم الدعم وضعف المردودية يطرح، في نظر متابعين، إشكالًا أعمق من الظرفية الاقتصادية أو تقلبات السوق، ويدفع إلى مساءلة نموذج الحكامة المعتمد داخل “لارام”، ومدى نجاعة اختياراتها الاستراتيجية، وكلفة القرارات التي تُتخذ دون أن يواكبها أثر ملموس على الأداء.
وأمام هذا الواقع، يبدو أن شركة الخطوط الملكية المغربية تحولت من مشروع استراتيجي يفترض أن يعكس طموح الدولة، إلى ملف سياسي ثقيل يختبر صدقية خطاب الإصلاح وحماية المال العام، حيث أن استمرار الخسائر رغم الدعم السخي لا يمكن تبريره إلى ما لا نهاية بعوامل خارجية، بل يفرض وقفة صارمة مع منطق التدبير والمساءلة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كم ضُخ من أموال لإنقاذ “لارام”؟ بل: من يحاسب على نتائج هذا الإنقاذ؟ وهل سيظل المال العام يُستعمل لترميم اختلالات بنيوية دون مساءلة حقيقية، أم أن زمن المحاسبة داخل الناقل الوطني قد حان؟






