تحت جنح الظلام… قرارات تُشرِّد السكان وتُجهز على المدينة القديمة للدار البيضاء

تعيش المدينة القديمة بالدار البيضاء على إيقاع توتر اجتماعي صامت، بعدما تحولت عمليات الهدم والإفراغ من تدخلات عمرانية معلنة إلى مصدر قلق حقيقي يمس الاستقرار الاجتماعي ويمتحن علاقة الدولة بسكان أحد أقدم الأحياء الحضرية في المغرب. فخلف واجهة “إعادة التهيئة” تتراكم قصص أسر وجدت نفسها فجأة أمام قرارات إخلاء سريعة، دون وضوح في البدائل أو ضمانات تحفظ كرامتها وحقها في السكن.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه العمليات لم تعد تقتصر على بنايات يشكل انهيارها خطراً داهماً، بل امتدت إلى أحياء ذات كثافة سكانية عالية وقيمة رمزية وتاريخية، مثل درب الأنجليز وكشبار والبحيرة، وهو ما جعل الملف يتجاوز الطابع التقني ليصبح قضية اجتماعية بامتياز، تطرح أسئلة عميقة حول من يدفع ثمن “تحديث المدينة”، ومن يُقصى من المجال باسم السلامة أو الاستثمار.

وفي هذا الصدد، ترى فعاليات اجتماعية وحقوقية أن ما يجري يعكس خللاً في المقاربة المعتمدة، حيث يتم التركيز على البعد العمراني دون استحضار الكلفة الاجتماعية. فالإفراغ المفاجئ، ومنح مهَل قصيرة للمغادرة، خلّف حالات تشريد فعلي، شملت نساءً وأطفالاً وشيوخاً، وجدوا أنفسهم في مواجهة الهشاشة، خاصة مع غياب حلول سكنية انتقالية واضحة أو تعويضات تراعي واقع السوق والعيش داخل المدينة.

وتزداد حدة الانتقادات بالنظر إلى توقيت هذه التدخلات، المتزامن مع فصل الشتاء والموسم الدراسي، ما يضاعف الضغط النفسي والاجتماعي على الأسر، ويهدد الاستقرار التعليمي للأطفال.

كما أن تداول معطيات حول استعمال وسائل ضغط غير مباشرة، كالتلويح بقطع الماء والكهرباء، عمّق الإحساس بأن منطق التدبير يميل إلى الإكراه بدل الحوار، وإلى السرعة بدل المعالجة المتدرجة.

وفي هذا السياق، عبّرت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان عن قلقها من المسار الذي يسلكه هذا الملف، معتبرة أن المدينة القديمة ليست فقط بنايات قابلة للهدم، بل فضاء اجتماعي حي، تختزن جدرانه ذاكرة جماعية وعلاقات تضامن ونمط عيش متجذر.

وحذرت الهيئة من أن تفريغ المجال من ساكنته الأصلية يهدد بتحويل المدينة القديمة إلى واجهة عمرانية بلا روح، ويعمق الإحساس بالإقصاء لدى فئات اجتماعية هشة.

وطالبت الهيئة بوقف عمليات الهدم والترحيل القسري إلى حين مراجعة قانونيتها واعتماد مقاربة تشاركية تُشرك الساكنة في القرار، وتوازن بين حماية الأرواح وحماية الحقوق الاجتماعية.

كما شددت على ضرورة ضمان تعويضات عادلة للملاك، وحلول تحفظ كرامة المكترين والحرفيين، باعتبارهم جزءاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة.

ويكشف ما يحدث في المدينة القديمة بالدار البيضاء عن توتر قائم بين منطق التدبير العمومي ومنطق العدالة الاجتماعية. فالرهان لم يعد عمرانياً فقط، بل صار سياسياً واجتماعياً: إما إصلاح حضري يُنصف الإنسان ويحفظ الذاكرة، أو إعادة تهيئة تُراكم الغضب وتعمق الفجوة بين القرار العمومي والواقع الاجتماعي.