إن ما يقوم به عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار المنتهية ولايته، يتجاوز حدود المناورة السياسية إلى منطق الوصاية الكاملة على حزب يُفترض أنه يُدار بقواعد تنظيمية واضحة، لا بضمانات فوقية، حيث أن الإعلان عن عدم الترشح لولاية ثالثة يفقد معناه حين يُقرن بتمديد الهياكل، والإبقاء على مفاتيح القرار، والبحث المحموم عن “خَلَفٍ مضمون”، وهو ما يشير إلى أن ما يجري ليس انسحاباً سياسياً، بل التفاف على التداول ومحاولة صريحة لتأمين النفوذ بعد مغادرة الواجهة.
وتؤكد معطيات حصل عليها موقع “هاشتاغ” من داخل كواليس حزب التجمع الوطني للأحرار أن أخنوش لم يكتفِ بتمديد الهياكل وتجميد الاستحقاق الداخلي، بل مضى أبعد من ذلك بوضع “خط أحمر” غير معلن يمنع عملياً قياديي الحزب من الترشح لخلافته، حيث تفيد مصادر موقع “هاشتاغ” أنه جرى تطويق أي طموح قيادي داخلي برسائل ضبط وتحذير تفيد بأن مرحلة ما بعد عزيز أخنوش ليست مفتوحة على التنافس، بل خاضعة لمنطق الاختيار المسبق.
وبموازاة ذلك، تقول مصادر موقع “هاشتاغ” أن عزيز أخنوش كثّفَ تحركاته خارج التنظيم، قارعاً أبواب الجهات العليا بحثاً عن ضمانات سياسية ومؤسساتية تؤمّن خليفة على مقاس المرحلة ومصالحها، بما يضمن استمرار النفوذ والتحكم بعد مغادرة الواجهة الشكلية.
هكذا، لا تُدار الخلافة من داخل الحزب ولا تُحسم في المؤتمر، بل تُطبخ خارج القواعد، في مسار يكرّس الوصاية ويقوّض ما تبقى من وهم الديمقراطية الداخلية داخل “حزب الأحرار”.
عزيز أخنوش لا يغادر لأنه يؤمن بالديمقراطية الداخلية، بل لأنه يخشى نتائجها. فلو كان واثقاً من البناء الحزبي الذي قاده لسنوات، لترك المؤتمر يحسم ولترك القواعد تختار.
لكنه يفعل العكس تماماً: يجمّد القواعد باسم “خصوصية المرحلة”، ويحوّل الحزب إلى غرفة انتظار، ويُفرغ الاستحقاق من محتواه قبل انعقاده. هكذا تُختزل السياسة في إدارة الخوف لا في إدارة الاختلاف.
إن هذا السلوك الذي يُسوَّق كـ“حكمة” و“استقرار”، بينما هو في العمق تعطيل مقصود للمساءلة. فالتمديد المتكرر اعتراف ضمني بأن قيادة الحزب لم تُنتج نخبة قادرة على التنافس دون وصاية. حزب بلا تداول، بلا صراع أفكار، وبلا مؤتمرات حاسمة، ليس حزباً سياسياً بالمعنى المؤسساتي، بل جهازاً.
كما أن البحث عن ضمانات لدى “الجهات العليا” لتأمين الخلافة يعرّي تصوراً قديماً للسياسة تفيد أن الزعيم لا يثق في القواعد فيلوذ بالفوق. وبهذا المنطق تُصادَر الإرادة الحزبية ويُعاد إنتاج التبعية داخل التنظيم نفسه، بما يربك الحقل الحزبي برمته؛ لأن انسحاباً مشروطاً من هذا النوع لا يُعيد ترتيب المشهد، بل يخلخل قواعده.
إن السياسة لا تُدار بالتطمينات الخلفية ولا بالتمديدات الاستثنائية المتكررة. فالانتقال القيادي اختبار للشرعية، ومن يهرب منه يعلن فشله في بناء مؤسسات.
وبدل أن يغادر عزيز أخنوش مرفوع الرأس، يختار أن يبقى حاضراً بلا مسؤولية، مؤثراً بلا تفويض، ومقرِّراً بلا محاسبة. هذه ليست قيادة، بل إدارة أزمة شخصية على حساب حزب وعلى حساب الثقة العامة في العمل الحزبي.
وما نشهده ليس نهاية مرحلة، بل تأجيل انفجارها. ومن يُعطّل التداول اليوم باسم الاستقرار، سيدفع ثمن فقدان الشرعية غداً. السياسة لا ترحم من يضع الضمان فوق القاعدة، والسلطة فوق المؤسسات.






