كواليس سقوط مدوٍّ لمشروع مدارس الريادة

في خضم النقاش الوطني المتصاعد حول إصلاح المنظومة التعليمية، عاد مشروع مدارس الريادة إلى واجهة الجدل، لكن هذه المرة من زاوية مقلقة، بعدما فجّرت امتحانات الدورة الأولى وفروض المراقبة المستمرة موجة انتقادات غير مسبوقة، وضعت المشروع برمته تحت مجهر المساءلة السياسية والتربوية، إذ بعد تقديمه كرافعة أساسية لتحسين جودة التعليم العمومي وتقليص الفوارق، بدأت تتكشف، مع أول اختبار ميداني واسع، مؤشرات اختلال بنيوي في التخطيط والتنزيل، انعكست مباشرة على الأطر التربوية والمتعلمين معًا.

هذا الجدل لم يبق حبيس الأوساط التربوية، بل انتقل إلى المؤسسة التشريعية، حيث طالب رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، بعقد اجتماع عاجل للجنة التعليم والثقافة والاتصال، بحضور الوزير الوصي على القطاع، من أجل الوقوف على حقيقة ما جرى داخل مدارس الريادة خلال محطة الامتحانات، وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية عن ما وصفه باختلالات خطيرة تمس جوهر الإصلاح التربوي.

وفي مراسلته الرسمية الموجهة إلى رئيس اللجنة البرلمانية المختصة، وضع حموني تصورًا قاتمًا عن ظروف إجراء الامتحانات، معتبرًا أن فروض المراقبة المستمرة وامتحانات الدورة الأولى جرت في سياق اتسم بالارتباك وغياب الرؤية، سواء على مستوى الإعداد الزمني أو التدبير التقني.

وأبرز أن اعتماد جدول زمني ضيق وغير واقعي أرهق الأطر التربوية، التي وجدت نفسها مطالبة بإنجاز الامتحانات وتصحيحها وإدخال نقطها في آجال قصيرة، دون مراعاة للزمن التربوي أو لطبيعة المهام الملقاة على عاتقها.

وزاد من حدة هذا الضغط، حسب المعطيات التي أثارها رئيس الفريق النيابي، الأعطاب المتكررة التي تعرفها منظومة “مسار”، ما تسبب في تعطيل عملية إدخال النقط، وفرض على الأستاذات والأساتذة العمل لساعات إضافية في ظروف نفسية ومهنية صعبة. وهو ما خلق، بحسب تعبيره، حالة من الاحتقان داخل مؤسسات الريادة، وأدى إلى استياء واسع في صفوف الأطر التربوية التي شعرت بأنها تُحمّل مسؤولية إنجاح مشروع لم تُوفر له شروط النجاح الأساسية.

ولم تتوقف الاختلالات عند حدود الضغط الزمني والتقني، بل امتدت، وفق المعطيات نفسها، إلى جوانب تدبيرية أخرى لا تقل خطورة. فقد تم تسجيل ضعف في جودة طباعة أوراق الامتحانات، وعدم مراعاة خصوصية الوضعيات الاستثنائية لبعض المتعلمين، سواء من حيث الدعم أو التكييف البيداغوجي. غير أن أخطر ما تم رصده، بحسب حموني، هو تسريب مواضيع بعض الامتحانات قبل موعد إجرائها، في خرق صريح لمبدأ السرية وتكافؤ الفرص، وهو ما اعتبره نتيجة مباشرة لغياب الصرامة في تأمين المواضيع وضعف الحكامة داخل المشروع.

وفي موازاة ذلك، وُجهت انتقادات حادة إلى طريقة تواصل الوزارة الوصية، حيث اعتُبر أن البلاغات الرسمية الصادرة عنها اتسمت بالارتباك والغموض، ولم تقدم أجوبة واضحة تطمئن الأطر التربوية والأسر، بل زادت من تعميق الشعور بعدم الثقة في كيفية تدبير هذا الورش الإصلاحي، وهو ما يعكس، بحسب متابعين، فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يروّج لنجاح مدارس الريادة، والواقع الميداني الذي تكشفه الشهادات والمعطيات المتوفرة.

ويرى فاعلون في الشأن التربوي أن ما جرى في امتحانات مدارس الريادة تجاوز حدود التعثرات التقنية، ليطرح سؤالًا جوهريًا حول منهجية إصلاح التعليم المعتمدة، ومدى جاهزية الوزارة لتنزيل مشاريع كبرى دون إشراك فعلي للأطر التربوية ودون توفير الموارد البشرية والتقنية اللازمة.

كما يطرح هذا الوضع إشكالية تحميل المدرسة العمومية كلفة التجريب المتسرع، في غياب تقييم مرحلي شفاف يستحضر آراء الفاعلين الميدانيين.

وشدد رئيس فريق التقدم والاشتراكية على أن دور البرلمان لا يقتصر على التتبع الشكلي، بل يفرض تسليط الضوء على هذه الاختلالات وفتح نقاش مؤسساتي جاد مع الحكومة حول سبل تصحيح المسار.

ودعا إلى إعادة تقييم شاملة لمشروع مدارس الريادة، انطلاقًا من خلاصات ميدانية موضوعية، بما يضمن احترام الجودة التربوية والإنصاف بين المتعلمين، وصون كرامة الأطر التعليمية.

وبينما تنتظر الأوساط التربوية والسياسية تفاعل الوزارة مع هذه المطالب، يبقى مشروع مدارس الريادة أمام اختبار حاسم: إما مراجعة عميقة تعيد له المصداقية، أو استمرار الأعطاب بما يهدد بتحويله من ورش إصلاحي طموح إلى عنوان جديد لفشل سياسات التعليم العمومي.