يشكّل الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدافوس، على هامش توقيع الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام»، لحظة كاشفة لإعادة تموضع القضايا الدولية داخل سلم الأولويات الأمريكية، كما يوفّر مدخلاً تحليليًا لفهم المكانة التي بات يحتلها المغرب في الهندسة الجديدة للسلم الدولي، حيث أن غياب الإشارة إلى نزاع الصحراء، خلافًا لما أُدرج من ملفات نزاع أخرى، لا يمكن قراءته بوصفه تهميشًا، بل باعتباره نتيجة مباشرة لمسار دبلوماسي طويل قادته المملكة بثبات، نقل القضية من خانة النزاعات الإقليمية المفتوحة إلى أفق الحل السياسي المؤطر والواقعي.
ويكشف هذا المعطى عن نجاح الدبلوماسية الملكية، بقيادة الملك محمد السادس، في إعادة تعريف طبيعة النزاع حول الصحراء داخل الوعي الدولي. فالمغرب لم يعد يُقدَّم في أدبيات القرار الدولي كطرف في نزاع إقليمي متفجر، بل كفاعل سيادي يطرح حلاً سياسيًا ناضجًا، يستند إلى الشرعية الدولية، ويستجيب لمقتضيات الاستقرار الإقليمي. وهو تحول نوعي لم يتحقق عبر الخطاب التصعيدي أو المناورات الظرفية، بل عبر استراتيجية تراكمية قائمة على الواقعية السياسية، وبناء الثقة، وتكريس الشراكات الاستراتيجية.
وتزداد دلالة هذا التحول وضوحًا إذا ما استُحضر أن المغرب كان أول بلد يُدعى للتوقيع على ميثاق تأسيس «مجلس السلام»، بحضور ناصر بوريطة ممثلًا للملك محمد السادس. فهذه المبادرة الرمزية تعكس اعترافًا أمريكيًا صريحًا بالمغرب كشريك مؤسس في هندسة السلم الدولي، لا كحالة نزاع تحتاج إلى وساطة.
كما أن إعفاء المملكة من المساهمة المالية التي رافقت الانضمام إلى المجلس، وفق ما راج من معطيات، يؤكد أن الرباط انخرطت في هذا الإطار من موقع الندية السياسية والاعتراف بدورها، لا من منطق المقايضة أو الابتزاز.
وينسجم هذا التموقع مع مفهوم «القوة الدبلوماسية الهادئة»، حيث نجحت القيادة المغربية في تحويل قضية ذات حساسية تاريخية إلى نموذج لحل سياسي واقعي، قائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهي المبادرة التي لم تكتسب فقط زخماً سياسياً، بل تحوّلت إلى مرجعية أممية، كما أكد ذلك مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 2797، الذي اعتبرها الإطار الجاد والوحيد لأي تسوية سياسية دائمة.
في المقابل، تكشف التحركات الموازية لجبهة البوليساريو في واشنطن عن محدودية المقاربة المقابلة، التي لا تزال تراهن على تحركات دبلوماسية ظرفية، خارج التحولات البنيوية التي عرفها الملف. فبينما يشتغل المغرب داخل منطق المؤسسات الدولية، ويُستدعى للمساهمة في صياغة آليات السلم، تظل الأطروحات الانفصالية حبيسة منطق ردّ الفعل، ومحكومة بسقف سياسي لم يعد يسمح بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
إن غياب ملف الصحراء عن خطاب ترامب لا يمكن فصله عن نجاح الدبلوماسية الملكية في إخراج القضية من دائرة النزاع إلى فضاء التسوية، وهو نجاح يعكس رؤية استراتيجية يقودها الملك محمد السادس، قوامها تحويل الشرعية التاريخية إلى شرعية سياسية دولية، وبناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار. بذلك، لا ينتصر هذا المسار للمغرب فقط، بل يقدّم نموذجًا في كيفية تدبير القضايا السيادية بمنطق الدولة الواثقة، القادرة على فرض حلولها بهدوء داخل النظام الدولي.






