تتواصل فصول حرب إلكترونية شرسة، تُدار من حسابات مجهولة الهوية ومنصات متفرقة، جرى إعدادها بخبث ودقة، وتستهدف صورة المغرب منذ انطلاق تظاهرة كأس أمم إفريقيا التي احتضنتها المملكة. حربٌ بدأت قبل صافرة البداية، حين أُغرقت الفضاءات الرقمية بخطابات تشكيك وفبركات ممنهجة تزعم عدم جاهزية المغرب، وتطعن في حقيقة المشاريع والمنشآت الرياضية، وتروّج لصور مضللة وادعاءات واهية.
لكن مع انطلاق المنافسات، ومعاينة العالم لتنظيم محكم وبنية تحتية متطورة، وشبكات طرق ونقل فعّالة، ومنظومة فندقية وسياحية في المستوى، وحرارة استقبال وكرم ضيافة لا تخطئهما العين، تحوّل ذلك التشكيك إلى ارتباك، ثم إلى عدوان رقمي مكشوف.
هذا النجاح الذي صدم خصوم المغرب، قريبين وبعيدين، لم يُستوعَب بسهولة. فبدل الإقرار بالإنجاز، سعى البعض إلى قلب المعادلة وتحويل نقاط القوة إلى ذرائع للهجوم، ومحاولة اختراق التلاحم المغربي الإفريقي الذي ترسّخ خلال التظاهرة. هكذا وُلدت سردية «تواطؤ التحكيم» وتوسّعت رقعتها، فتلقفها البعض بسوء تقدير، واندفع بها آخرون بنية مبيّتة.
وترافقت مع تضخيم أحداث هامشية، وتدوير تصرفات معزولة لمدربين ولاعبين وصفحات مأجورة، واستدعاء خطاب إعلامي عدائي سبقته حملات منظمة. ثم جاء تصريح لاحق في ندوة صحافية، وبلاغ اتحادي، ليصبا الزيت على النار ويشكلا طعنة غير متوقعة في لحظة كان المغاربة فيها يحلمون بنهائي إفريقي يجسّد عمق العلاقة الأخوية مع أشقائهم، وعلى رأسهم السنغاليون الذين ظلوا في الوجدان المغربي إخوة قبل أن يكونوا منافسين.
وبعد نهاية مباراة نهائية مشحونة بكل أشكال الضغط وسوء النية، شاهد العالم تبصّر وتعقّل المغاربة، سلطاتٍ وجماهير، في مقابل أعمال شغب وعنف صدرت عن قلة، بينما اختار مشجعو أسود الأطلس الاحتواء وضبط النفس. غير أن صافرة النهاية لم تُنهِ المواجهة؛ فقد انتقلت المعركة إلى منصات التواصل وإعلام مأجور، يستهدف حق المغرب في الدفاع عن صورته، وفي تطبيق القانون الذي يحكم الممارسة الرياضية، وفي مواجهة سلوكات يمكن أن تقع في أي مكان وتستوجب الردّ القانوني لضمان عدم تكرارها وصون روح الرياضة التي يفترض أن تجمع لا أن تفرّق.
وتحاول هذه الحرب الرقمية اليوم رسم صورة كاذبة للمغرب باعتباره بلدًا عنصريًا يرفض المهاجرين، متجاهلة حقيقة ساطعة يعرفها القاصي والداني. فالمغرب فتح أبوابه لكل الأفارقة، واعتمد منذ 2014 مساطر لتسوية أوضاع المهاجرين، ما جعل كثيرين منهم يختارون الاستقرار بدل العبور. صار حضورهم طبيعيًا في الجامعات والمعاهد، في كليات الطب والهندسة، في مراكز الاتصال والشركات، في الفلاحة والتعمير، وفي تفاصيل الحياة اليومية. نشأت علاقات إنسانية ومصاهرات وأسر مشتركة، وتحوّل التعايش إلى واقع حيّ لا تمحوه حملة تضليل ولا تغطّيه ضوضاء افتراضية.
هذا الواقع، المبني على الأخوّة والتآخي، هو الذي يفضح زيف السرديات التحريضية. ورغم انسياق قلة خلف خطاب الكراهية، فقد عبّرت الأغلبية عن وعيها، بدوّنات ومقاطع مصورة تؤكد أن سلوكًا طائشًا في مباراة لن يهدم علاقات تاريخية متجذّرة مع السنغال ومصر وبقية شعوب القارة، وأن الانتصار الحقيقي هو للوحدة وللمستقبل المشترك.
إنها رسالة ظل المغرب يحملها ويُرافع عنها، في وقت كانت فيه دولة «جارة» تواجه مهاجري جنوب الصحراء بالقمع والترحيل، بينما اختار المغرب طريق الكرامة والإنسانية والشراكات جنوب–جنوب القائمة على الاحترام وتبادل المنافع ودفع القارة نحو التقدم.
وفي خضم هذا المناخ، تعالت أصوات حقوقية تحذّر من تصاعد خطاب عنصري وتمييزي يستهدف المهاجرين الأفارقة المقيمين بالمغرب، بعد الأحداث التي رافقت نهائي كأس إفريقيا وما تلاه من تفاعلات حادة. تحذيرات شددت على أن الدعوات التحريضية وخطابات الكراهية تهدد السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، وأن التساهل معها قد يقوّض سنوات من التراكم الحقوقي والمؤسساتي في حماية المهاجرين وإدماجهم.
وأكدت هذه الأصوات أن المغرب اعتمد منذ 2013 استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء كرّست مقاربة إنسانية قائمة على الحقوق والحماية والاندماج، وأن دستور 2011 يجرّم التحريض على العنصرية والكراهية ويضمن للأجانب الحريات الأساسية وفق القانون، فضلًا عن التزامات المملكة الدولية وفي مقدمتها الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
ومع اتساع رقعة المحتوى التحريضي، دعت الهيئات الحقوقية إلى تفعيل القانون بحزم في مواجهة الصفحات والأشخاص الذين يروّجون للكراهية، وإلى مراجعة شاملة للإطار القانوني المنظم للهجرة بما ينسجم مع الدستور والالتزامات الدولية، كما طالبت الإعلام العمومي والخاص بالانخراط القوي في التوعية بمخاطر التمييز وترسيخ قيم العيش المشترك.
وفي السياق نفسه، حذّرت أصوات نقابية وإعلامية متخصصة في قضايا الهجرة من تحميل فئة كاملة مسؤولية تصرفات فردية، معتبرة ذلك انتهاكًا صارخًا للمبادئ الدستورية وحقوق الإنسان، ومشددة على أن العنف مرفوض ولا يبرَّر بأي ذريعة.
كما نُبّه إلى مفارقة بليغة: إذا كان ملايين المغاربة يعيشون بالخارج، فهل يُقبل أن يتعرضوا للإقصاء أو التمييز بسبب سلوكيات معزولة؟ منطق المعاملة بالمثل يفرض رفض العنصرية أينما كانت.
وحذّرت الهيئات من أن الدعوات إلى المقاطعة الاجتماعية والاقتصادية قد تحوّل الممارسات اليومية إلى أدوات إقصاء جماعي، وتهدد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحق في الكرامة والسلامة.
إن المباراة لم تكن سببًا، بل كاشفًا ومسرّعًا لإحباطات متراكمة. والردّ ليس في الانجرار وراء الفتنة، بل في ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز التربية على حقوق الإنسان، ومواصلة سياسات تحمي التماسك الاجتماعي. سحابة السوء ستمرّ، وسيعود الصفاء الإفريقي، لأن شمس الأخوّة المغربية الإفريقية أقوى من حملات التضليل، ولأن الأخلاق والوعي واليقظة ستظل سلاح المغرب في مواجهة كل محاولات الكراهية والتمزيق.






