لم يمرّ غياب عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، عن حفل توقيع المغرب على الميثاق المؤسس لـ«مجلس السلام» بدافوس مرور الكرام، خاصة وأن الحدث جرى بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة وازنة لعدد من رؤساء الدول والحكومات، فيما تولّى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة التوقيع باسم المملكة المغربية.
الحدث، في ذاته، ليس عادياً. فالتوقيع تمّ بتعليمات من الملك محمد السادس، وبصفة المغرب عضواً مؤسساً في مبادرة دولية تُقدَّم كإطار جديد للمساهمة في جهود السلام وتسوية النزاعات.
ومع ذلك، غاب رئيس الحكومة، رغم تواجده في دافوس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، ما فتح باب التساؤل واسعاً حول دلالات هذا الغياب وحدوده السياسية والدستورية.
في العُرف الدبلوماسي، لا يُفهم الحضور والغياب باعتبارهما تفاصيل شكلية، حيث أنه عندما يتعلق الأمر بتوقيع ذي طابع سيادي–دولي، وتحت رئاسة رئيس دولة بحجم الولايات المتحدة، فإن التمثيل الرسمي يخضع لمنطق دقيق يترجم ميزان الثقة، والاختصاص، والتموقع داخل هرم القرار.
وأن يتولى ناصر بوريطة التوقيع، بحضوره كواجهة دبلوماسية، مقابل غياب عزيز أخنوش، يوحي بأن الأمر لم يكن صدفة، ولا مسألة أجندة، بل اختياراً سياسياً محسوباً يعيد التذكير بأن السياسة الخارجية، خصوصاً في ملفات السلام والعلاقات الاستراتيجية، تظل مجالاً محفوظاً للملك، تُقدَّم فيه الشرعية الدستورية والخبرة الدبلوماسية على الاعتبارات الحزبية أو الحكومية.
واللافت أن هذا الغياب يأتي في سياق أوسع، اتسم بتوالي اختفاء عزيز أخنوش عن محطات وازنة خلال الأسابيع الأخيرة، منذ إعلانه مغادرة قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار المرتقبة في 7 فبراير المقبل. من بينها غيابه عن لقاء إطلاق مشروع «معاهد الجزري» للذكاء الاصطناعي، دون أي توضيح رسمي، ما يغذي الانطباع بمرحلة «انكفاء سياسي» غير معلنة.
هنا، لا يتعلق النقاش بغياب شخصي، بل بغياب سياسي لرئيس حكومة يُفترض فيه أن يجسّد الحضور التنفيذي في لحظات مفصلية. وعندما يتكرر الغياب دون تفسير، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام تراجع في مركز الثقل السياسي؟ أم أمام إعادة ترتيب غير معلنة للأدوار؟
إن البلاغ الصادر عن وزارة الخارجية جاء حاسماً، حيث يفيد أن التوقيع تمّ بموافقة ملكية سامية، وبحضور دونالد ترامب، وبمشاركة نحو 20 دولة، من بينها تركيا والسعودية والبحرين ومصر وإندونيسيا. بل إن المشاركة في «مجلس السلام» وُصفت بأنها مقتصرة على «مجموعة محدودة من الزعماء البارزين»، وأن الدعوة تشكل اعترافاً بمكانة الملك محمد السادس كفاعل أساسي في مجال السلام.
في هذا السياق، يصبح غياب رئيس الحكومة أكثر دلالة، إذ أنه عندما يكون الاعتراف موجهاً للقيادة الملكية، يكون التمثيل منسجماً مع هذه الرمزية، لا مع منطق الحكومة أو الحزب، وهو ما يعكس، مرة أخرى، أن السياسة الخارجية للمغرب لا تُدار بمنطق الواجهة الحكومية، بل بمنطق الدولة العميقة في معناها الدستوري.
ورغم كل ذلك، يبقى الغموض سيد الموقف، حيث لا محاولة من فريق رئيس الحكومة لاحتواء التأويلات، وهو صمت يفتح المجال لقراءات متعددة، أخطرها أن يتحول رئيس الحكومة إلى فاعل ثانوي في لحظات القرار الكبرى، أو أن يُقرأ غيابه كعنوان لمرحلة أفول سياسي تدريجي.
في السياسة، لا يُحاسَب المسؤول فقط بما يقول، بل بما يغيب عنه أيضاً. وغياب عزيز أخنوش عن توقيع دافوس، في لحظة دولية حساسة مؤشر سياسي يستحق التوقف عنده، لأن الدولة حين تختار من يُوقّع باسمها، فإنها تختار أيضاً من لا يُوقّع… ومن لا يمثلها في لحظة مفصلية.






