كريم الحمداني/هاشتاغ
لا يمكن قراءة انضمام المغرب إلى مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خارج سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، ولا بمعزل عن الموقع الذي راكمه المغرب خلال السنوات الأخيرة كفاعل إقليمي موثوق في قضايا الأمن والاستقرار والوساطة.
فرغم الطابع الغامض الذي يلف هذا المجلس الناشئ، سواء من حيث تركيبته أو صلاحياته أو جدول أعماله، فإن قبول المغرب الانضمام إليه يعكس منطقًا دبلوماسيًا براغماتيًا يقوم على الوجود داخل دوائر التأثير بدل البقاء خارجها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمبادرات تقودها القوة الأولى عالميًا.
يُدرك المغرب أن الغياب عن هذا النوع من المبادرات لا يعني الحياد، بل قد يُفسَّر كتنازل عن مساحة للتأثير. لذلك، فإن المشاركة المغربية لا تعني بالضرورة تبنّي أجندة المجلس أو مواقف الإدارة الأمريكية، بقدر ما تعكس رغبة في توجيه النقاش من الداخل والدفاع عن الثوابت الوطنية في فضاء متعدد الأطراف.
وفي هذا الإطار، يشكل وجود شخصيات مثيرة للجدل، على رأسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عنصر اختبار حقيقي لمصداقية المجلس وقدرته على إدارة التناقضات. غير أن الرباط تراهن على رصيدها الدبلوماسي المتوازن، الذي يسمح لها بالحفاظ على قنوات الحوار دون التفريط في مواقفها المبدئية.
يمتلك المغرب، بصفته رئيس لجنة القدس، شرعية سياسية وأخلاقية تخوّله لعب دور محوري في أي إطار دولي يتناول قضايا السلام في الشرق الأوسط. وتراهن الرباط على تحويل هذا الموقع إلى أداة ضغط ناعمة داخل المجلس، من أجل إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة، ومنع اختزال السلام في مقاربات أمنية أو صفقات سياسية ظرفية.
وفي ظل تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، فإن انخراط المغرب في هذا المجلس قد يشكل فرصة لإعادة التذكير بمرجعيات الحل العادل، القائمة على حل الدولتين واحترام الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، بدل الانخراط في منطق فرض الأمر الواقع.
الرهان الثاني، والأكثر مركزية بالنسبة للرباط، يظل مرتبطًا بملف الصحراء المغربية. فالمغرب يدرك أن أي منصة دولية جديدة، حتى وإن كانت في بداياتها، يمكن أن تتحول مع الزمن إلى فضاء لصناعة المواقف أو التأثير في مراكز القرار.
ومن هذا المنطلق، يسعى المغرب إلى استثمار عضويته داخل مجلس السلام للدفع نحو توسيع دائرة الفاعلين الداعمين لمقترح الحكم الذاتي، وإقناع أطراف مترددة بجدية هذا الحل وواقعيته، خاصة في ظل تنامي التحديات الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء.
غير أن هذا المسار لا يخلو من مخاطر. فغياب رؤية واضحة لعمل المجلس، واحتمال توظيفه سياسيًا من طرف الإدارة الأمريكية لخدمة أجنداتها الخاصة، يفرض على المغرب اعتماد يقظة دبلوماسية دائمة، وتفادي الانجرار إلى مواقف قد تُحسب عليه مستقبلًا.
لكن في المقابل، يراهن صناع القرار في الرباط على خبرة دبلوماسية راكمها المغرب عبر سنوات من العمل داخل المنظمات الدولية، وقدرته على الفصل بين المشاركة الذكية والاصطفاف غير المشروط.
انضمام المغرب إلى مجلس السلام ليس خطوة بروتوكولية، بل اختيار استراتيجي محسوب، يندرج ضمن سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات، واستباق التحولات، والحفاظ على الحضور داخل دوائر القرار العالمية.
ويبقى نجاح هذا الخيار رهينًا بمدى قدرة المجلس نفسه على التحول من مبادرة شخصية مرتبطة باسم ترامب، إلى إطار مؤسساتي حقيقي، وهو ما سيحدد في النهاية إن كان المغرب قد ربح رهان التأثير… أم اكتفى بدور المراقب داخل تجربة دولية غير مكتملة الملامح.






