الملك يجعل من كرة القدم رافعة سيادية لنفوذ المغرب

يختار المغرب مسارًا يقوم على تحويل الرمز إلى سياسة، والمشترك الإنساني إلى أداة حضور دولي، إذ عندما تُقرأ كرة القدم خارج منطق المنافسة، وتُستثمر باعتبارها فضاءً جامعًا، تصبح رافعة لتموقع مدروس يعكس وعيًا استراتيجيًا بدور القوة الناعمة في بناء النفوذ، ويؤسس لحضور يتجاوز الجغرافيا نحو صناعة المعنى داخل إفريقيا والعالم.

لم يعد الحضور المغربي يُقاس بمؤشرات الاقتصاد والدبلوماسية التقليدية وحدها، وأضحى يُفهم عبر منظومة أوسع توظّف الثقافة والرياضة بوصفهما لغتين كونيتين قادرتين على فتح مسارات للتقارب وبناء الثقة.

ضمن هذا الإطار، تبرز كرة القدم كخيار سياسي محسوب، يربط بين الطموح الدولي والقدرة على مخاطبة الشعوب بلغة مشتركة، ويمنح السياسة بعدًا إنسانيًا يُضاعف أثرها وامتدادها.

إن الدينامية الرياضية التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة تعكس تصورًا متكاملًا يربط الاستثمار في البنيات والتنظيم بالكفاءة الرمزية.

فالمشاريع الكبرى والانخراط في رهانات عالمية تُفهم كتجسيد لرؤية ترى في الرياضة رافعة للحضور ومسارًا لبناء الصورة وتعزيز المصداقية.

بهذا المعنى، تتحول الملاعب إلى منصات للتقارب، وتغدو المنافسة وسيلة لصياغة روابط تتجاوز الحسابات الضيقة.

هذا المسار يندرج ضمن رؤية أشمل تقودها القيادة المغربية، قوامها الوضوح والاستمرارية والقدرة على إعطاء معنى للأحداث بدل الارتهان للانفعالات الظرفية.

ففي عالم يشهد استقطابًا حادًا وتوظيفًا متزايدًا للرياضة في التجاذبات السياسية، يختار المغرب مقاربة متوازنة ترى في كرة القدم مجالًا للوحدة وفي التنافس إطارًا للتقارب وبناء الثقة المتبادلة.

ويظل البعد الإفريقي عنصرًا محوريًا في هذه الرؤية. فالعلاقة بين المغرب والقارة تقوم على إرث مشترك ومسار جماعي طويل تُنسج خيوطه عبر التضامن والاحترام المتبادل.

ومن هذا المنطلق، تُستثمر الرياضة كجسر إضافي يعزز هذا الارتباط ويمنح التعاون جنوب–جنوب بعدًا شعبيًا يعمّق الأثر السياسي ويثبّت الشراكات على أسس مجتمعية أوسع.

إن التزام المغرب تجاه إفريقيا يظهر كخيار استراتيجي بعيد المدى، يتقاطع فيه الاقتصادي بالثقافي، والدبلوماسي بالرياضي، في انسجام يعكس ثبات الرؤية واستمرارية السياسات.

فالرياضة تشكّل جزءًا من تصور متكامل لدور المملكة داخل القارة وخارجها، يقوم على المساهمة في الاستقرار وتعزيز التقارب وترسيخ صورة بلد قادر على الجمع بين الطموح والمسؤولية.

ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع الرؤية الإفريقية التي يقودها الملك محمد السادس، والقائمة على بناء شراكات متوازنة تُزاوج بين التنمية والتعاون وتثمين المشترك الإنساني.

فالقوة الناعمة، حين تُدار بوعي استراتيجي، تتحول إلى رصيد سياسي يعمّق الحضور ويمنح للسياسة أفقًا أوسع وقدرة أكبر على الاستمرار.

إن التجربة المغربية في توظيف كرة القدم تكشف عن فهم متقدم لأدوات النفوذ الحديثة، وتؤكد أن التقارب بين الشعوب يُبنى عبر مسارات متعددة تشمل الرمز والمشاركة والرهان الجماعي.

بهذا الاختيار، يرسّخ المغرب تموقعه كفاعل قادر على تحويل الرياضة إلى سياسة، والتأثير إلى حضور، والمعنى إلى قوة ممتدة داخل إفريقيا والعالم.