شهد القطاع الصحي المغربي تحوّلًا نوعيًا متسارعًا، يؤشر على انتقال فعلي من منطق التطبيب التقليدي إلى منطق الطب المتقدم القائم على الابتكار والتقنيات عالية الدقة.
ويتجلى هذا التحول بوضوح في النجاح الطبي الذي حققه المستشفى الجامعي للقرب (مديكس) بالرباط، التابع لـمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، عبر إجراء أول عملية وطنية لاستبدال الصمام الرئوي عبر القسطرة دون تدخل جراحي، في سابقة تعكس عمق التحول الذي تعرفه المنظومة الصحية الوطنية.
هذا الإنجاز هو بمثابة مؤشر دال على دخول المغرب مرحلة جديدة في علاج أمراض القلب المعقدة، خاصة تلك المرتبطة بالاعتلالات الخلقية عالية المخاطر، حيث أن اعتماد تقنية زرع الصمامات عبر القسطرة يمثل قفزة نوعية في التكفل العلاجي، ويعكس قدرة الكفاءات الطبية المغربية على استيعاب أحدث ما توصل إليه الطب الحديث، وتطبيقه وفق المعايير الدولية الصارمة.
وتكمن أهمية هذا التطور في كونه يكرّس مقاربة علاجية أقل توغّلًا، تقلّص من معاناة المرضى، وتحدّ من المخاطر المرتبطة بجراحات القلب المفتوح، سواء من حيث الألم أو مدة التعافي أو احتمال العدوى.
كما يمنح المرضى، خاصة فئة الشباب المصابين بأمراض قلبية خلقية، أفقًا علاجيًا أكثر أمانًا وجودة، ويعيد الاعتبار لحقهم في علاج متقدم داخل وطنهم دون الحاجة إلى اللجوء للعلاج خارج البلاد.
ويكشف هذا الإنجاز عن تحول في فلسفة الاستثمار الصحي بالمغرب، حيث لم يعد الرهان محصورًا في البنيات التحتية وحدها، بل أصبح يشمل بناء منظومات طبية متكاملة تجمع بين الموارد البشرية عالية التأهيل، والتجهيزات المتطورة، والعمل الجماعي متعدد التخصصات، حيث نجاح العملية اعتمد على تنسيق دقيق بين أطباء التخدير والإنعاش، وجراحي القلب، وتقنيي القسطرة، وهي دينامية تعكس نضج الممارسة الطبية المؤسساتية داخل المنظومة الصحية الحديثة.
كما يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة في الدفع بهذا التحول، من خلال تمويل العمليات الدقيقة، وتوفير التجهيزات المتطورة، وضمان ولوج عادل للطب المتقدم. هذا التوجه يكرّس بعدًا اجتماعيًا للابتكار الطبي، ويؤكد أن التميز العلمي يمكن أن يقترن بالتضامن الصحي، ضمن رؤية تجعل صحة المواطن في صلب الأولويات الاستراتيجية.
ويضع هذا الإنجاز المغرب في موقع متقدم داخل محيطه الإقليمي، ويمنحه مؤهلات التحول إلى قطب صحي مرجعي في مجالات طبية عالية التخصص، إذ أن امتلاك الخبرة في تقنيات متقدمة مثل زرع الصمامات عبر القسطرة يعزز السيادة الصحية الوطنية، ويقلّص التبعية للعلاج بالخارج، ويرفع من قدرة المنظومة الصحية على مواجهة الحالات المعقدة بكفاءة واستقلالية.
إن ثورة الصحة في المغرب أضحت واقعًا يتجسد في غرف العمليات، وفي كفاءات طبية شابة، وفي مؤسسات استثمرت في الإنسان قبل العتاد. وما تحقق في الرباط يشكل رسالة واضحة مفادها أن المغرب قادر على الجمع بين الابتكار الطبي، والعدالة الصحية، والتميز العلمي، في مسار يعيد تعريف مكانة الصحة داخل مشروع التنمية الوطنية.






