تكشف أحدث معطيات البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، عن وضع اجتماعي دقيق يتسم بتراجع واضح في منسوب الثقة بين الأسر المغربية والسياسات الحكومية، في سياق يتسم باستمرار البطالة وتدهور مستوى المعيشة. ه
وتعيد هذه المؤشرات تعيد إلى الواجهة النقاش حول نجاعة التدخلات العمومية، ودور وزارة التشغيل في مواجهة اختلالات سوق الشغل.
وأفادت نتائج البحث أن 65,2 في المائة من الأسر المغربية تتوقع ارتفاع مستوى البطالة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مقابل 17,5 في المائة فقط ترجّح تراجعها، وهو ما يعكس تشاؤماً واسع النطاق إزاء آفاق التشغيل وقدرة الحكومة على إحداث دينامية اقتصادية قادرة على امتصاص العطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
ورغم تسجيل تحسن طفيف في رصيد مؤشر توقعات البطالة، الذي استقر عند ناقص 47,7 نقطة مقارنة بالفصل السابق، فإن القراءة الاجتماعية لهذه الأرقام تظل مقلقة، بالنظر إلى استمرار الأغلبية الساحقة من الأسر في توقع مزيد من التدهور.
ويسلط هذا المعطى الضوء على فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي حول خلق فرص الشغل والواقع الملموس الذي تعكسه انتظارات الأسر.
وعلى مستوى المعيشة، أظهرت المعطيات أن 77,8 في المائة من الأسر صرّحت بتدهور مستوى عيشها خلال السنة الماضية، مقابل 5,3 في المائة فقط تحدثت عن تحسن.
وتعكس هذه الأرقام ضغطاً اجتماعياً متزايداً ناجماً عن ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، في سياق اقتصادي لم تنعكس فيه مؤشرات النمو المعلنة على الوضع اليومي للأسر.
وقد استقر رصيد مؤشر مستوى المعيشة عند ناقص 72,5 نقطة، وهو مستوى يعكس عمق الإحساس العام بتراجع شروط العيش.
كما تشير التوقعات المستقبلية إلى استمرار هذا المنحى، إذ تتوقع 49,4 في المائة من الأسر مزيداً من التدهور خلال السنة المقبلة، مقابل أقل من 10 في المائة ترجّح تحسناً، ما يؤشر على تراجع الثقة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة.
ولم تقتصر المؤشرات السلبية على التشغيل والمعيشة، حيث اعتبرت 67,1 في المائة من الأسر أن الظرفية غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة، وهو ما يُشير إلى حالة من الحذر الشديد في الاستهلاك وتراجع القدرة على الادخار، بما قد تكون له انعكاسات مباشرة على الطلب الداخلي والنمو الاقتصادي.
وفي هذا الصدد، قال كريم البخاري، باحث في السياسات العمومية، في تصريح لموقع “هاشتاغ”، إن “الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تعكس أزمة ثقة بنيوية بين الأسر والسياسات العمومية”، موضحاً أن “غياب أثر ملموس لبرامج التشغيل والحماية الاجتماعية على حياة المواطنين هو ما يغذي هذا الإحساس العام بالتشاؤم”.
وأضاف البخاري أن “سوق الشغل يعاني من اختلالات هيكلية تتطلب إصلاحات عميقة تتجاوز الحلول الظرفية”، معتبراً أن “التركيز على الأرقام التقنية دون ربطها بتحسين فعلي للدخل وفرص العمل يساهم في تعميق الفجوة بين الحكومة والمجتمع”.
وتعيد هذه المؤشرات إثارة النقاش حول فعالية السياسات العمومية المتبعة، وحدود قدرة الحكومة على مواجهة التحديات الاجتماعية المتراكمة، في ظل سياق اقتصادي دولي ضاغط، وانتظارات داخلية مرتفعة.
كما تضع وزارة التشغيل ورئاسة الحكومة أمام اختبار حقيقي يتعلق بإعادة بناء الثقة، عبر إجراءات ملموسة تستجيب لانشغالات الأسر وتترجم الوعود المعلنة إلى نتائج محسوسة.
وتبقى معطيات المندوبية السامية للتخطيط بمثابة جرس إنذار اجتماعي، يسلط الضوء على ضرورة مراجعة المقاربات المعتمدة، قبل أن يتحول هذا التذمر الصامت إلى توتر اجتماعي أوسع، في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وتفاقم أزمة التشغيل.






