لجأت العدالة الإسبانية إلى إجراء استثنائي لتنفيذ حكم قضائي نهائي صادر في قضية تحرّش جنسي ومهني، تمثّل في الحجز على الحساب البنكي لقنصلية المملكة المغربية بمدينة مورسيا، بعد امتناع متواصل عن تنفيذ الحكم وأداء التعويضات المقضي بها لفائدة الضحية.
ويأتي هذا الإجراء، وفق ما أورده موقع El Independiente الإسباني، عقب أشهر من عدم الامتثال للحكم القضائي من طرف الإدارة المعنية، وما وُصف باستراتيجية إجرائية هدفت إلى عرقلة التنفيذ.
ويستهدف الحجز أموالًا تعود إلى القنصلية المغربية بالمنطقة، باعتبارها الجهة المشغِّلة في علاقة شغل محلية خضعت لاختصاص القضاء الإسباني.
وتعود وقائع الملف إلى حكم صادر عن محكمة الشغل رقم 1 بمدينة مورسيا، قضى ببطلان فصل موظفة كانت تشغل مهام كاتبة لدى القنصل المغربي السابق سيدي محمد بيد الله، الذي يشغل حاليا مهام سفير المملكة المغربية بجمهورية الموزمبيق، وذلك بعد ثبوت تعرّضها لتحرّش جنسي ومهني ومعنوي متكرر.
وتتهم الضحية القنصل المغربي السابق بالتحرش بها، وقالت “إنه مفترس. أهداني عقدا وقال إنه سيكون مناسبا جدا على صدري”.
وأكد الحكم أن مسارًا مستمرًا من المضايقات فُعّل منذ شتنبر 2022، ما خلّف آثارًا جسيمة على صحة الضحية وظروف عملها.
وأوضحت حيثيات الحكم أن فصل المعنية بالأمر جاء تتويجًا لمسلسل من المعاملة المهينة والضغط المهني، شمل عزلها عن محيط العمل وحرمانها من وسائل أساسية لأداء مهامها، في سياق ربطته المحكمة برفضها الانصياع لإيحاءات وسلوكيات اعتبرتها مخلة بالكرامة.
وخلصت المحكمة إلى أن هذه الأفعال تشكّل انتهاكًا لحقوق أساسية، ما استوجب بطلان الفصل وإقرار التعويض.
وفي سنة 2024، أقرّ القضاء الإسباني وجود تحرّش جنسي ومهني ومعنوي، وأمر بإعادة إدماج الضحية، وحدّد تعويضًا يفوق 50 ألف يورو، إضافة إلى أداء الأجور غير المستخلصة.
وبعد استنفاد كل طرق الطعن، ظلّ الحكم دون تنفيذ طوعي، الأمر الذي دفع المحكمة إلى الانتقال لمرحلة التنفيذ الجبري.
وفي هذا الإطار، يُضيف موقع El Independiente الإسباني، قرّر القاضي، في أكتوبر الماضي، الحجز الإلكتروني على الحساب الجاري للقنصلية لدى أحد الأبناك الإسبانية، وهو الحساب الذي كانت تُصرف منه الأجور والمصاريف التشغيلية.
وحدّد قرار الحجز مبلغ 57.413,33 يورو أصلًا للتنفيذ، إضافة إلى 7.330,70 يورو مخصّصة للفوائد والمصاريف القضائية. وقد مكّن الإجراء من إيداع أزيد من 64 ألف يورو بالحساب القضائي لتغطية جزء مهم من المبالغ المقضي بها.
وأفادت هيئة دفاع الضحية بأن القنصلية استنفدت كل سبل الطعن دون إيداع المبالغ الواجبة قانونًا، ما أدّى إلى رفض طعونها.
ورغم نهائية الحكم، لم تُنفَّذ إعادة الإدماج ولا الأداء الكامل للتعويضات، الأمر الذي فرض تفعيل آليات التنفيذ الجبري المعمول بها في مواجهة أي مشغّل مخالف.
وفيما يتعلّق بادعاء الحصانة القضائية والتنفيذية، أكدت المحكمة رفضها المتكرر لهذا الدفع، معتبرة أن العلاقة موضوع النزاع علاقة شغل محلية لا تُرتّب حصانة، وأن القنصلية تصرّفت كمشغّل وليس كسلطة سيادية.
وأبرزت القرارات القضائية أن التشريع الإسباني والاجتهاد القضائي المستقر يستبعدان الحصانة في نزاعات الشغل، لاسيما حين يتعلّق الأمر بانتهاكات لحقوق أساسية.
وأشار دفاع الضحية إلى أن مبلغ التعويض الإجمالي يواصل الارتفاع بفعل الأجور المستحقة عن فترة ما بعد الفصل إلى غاية إعادة الإدماج الفعلي، بمعدل 56,89 يورو يوميًا، فضلًا عن الاشتراكات الاجتماعية غير المؤداة، ما يرفع الكلفة الإجمالية المقدّرة إلى أكثر من 100 ألف يورو.
ورغم إيداع جزء مهم من المبالغ بالحساب القضائي، يؤكد مسار التنفيذ أن الملف لم يُغلق بعد، إذ سيظل مفتوحًا إلى حين الأداء الكامل وتنفيذ إعادة الإدماج وفق ما قضى به الحكم النهائي.
ويشدّد الدفاع على أن الإجراء المتخذ لا يحمل طابعًا عقابيًا إضافيًا، بل يندرج ضمن مبدأ أساسي مفاده أن الأحكام القضائية النهائية واجبة التنفيذ، ضمانًا للحق في الحماية القضائية الفعّالة.
أقدمت السفارة المغربية في مدريد على توجيه مذكرة رسمية إلى وزارة الشؤون الخارجية الإسبانية، التمست من خلالها التدخل من أجل رفع التجميد المفروض على الحساب البنكي التابع للقنصلية المغربية بمدينة مورسيا، وذلك على خلفية تنفيذ حكم قضائي نهائي صادر عن القضاء الإسباني في ملف شغلي ذي طابع حساس.
وبحسب معطيات متطابقة تداولتها وسائل إعلام إسبانية، فإن السفيرة المغربية لدى مدريد، كريمة بنيعيش، كانت قد وجهت بتاريخ 24 دجنبر المنصرم مذكرة دبلوماسية إلى وزير الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون، خوسيه مانويل ألباريس، دعت فيها إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإحاطة الجهات القضائية المختصة بالموقف القانوني للمملكة المغربية.
وترتكز المذكرة، وفق المصادر ذاتها، على مبدأ الحصانة السيادية لممتلكات الدول وبعثاتها الدبلوماسية والقنصلية، كما هو منصوص عليه في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الحصانات القضائية للدول وممتلكاتها لسنة 2004، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لسنة 1963.
واعتبرت السفارة المغربية أن الحساب المصرفي موضوع التجميد يُستعمل حصريًا لتغطية النفقات المرتبطة بسير العمل القنصلي وتقديم الخدمات الإدارية لفائدة المواطنين، وهو ما يجعله، من وجهة النظر المغربية، جزءًا من الملكية السيادية التي لا يجوز إخضاعها لإجراءات التنفيذ الجبري أو الحجز القضائي.
ويُشار إلى أن سيدي محمد بيد الله، الذي عُيٌن خلال شهر ماي من السنة الماضية سفيرا للمملكة المغربية بجمهورية الموزمبيق، وسبق أن شغل منصب قنصل عام بتورينو منذ سنة 2024.
وكان بيد الله، قد شغل منصب قنصل عام بكل من بلباو (2022-2023) ومورسيا (2017-2022).
وسبق لبيد الله، البالغ من العمر 54 سنة، أن اشتغل مستشارا بسفارات المملكة بكل من برازيليا (2012-2014)، وليما (2007-2010)، ومكسيكو (2002-2007).






