بقلم: سعيد كان
مع كل أزمة رياضية أو سياسية أو رمزية تجمع المغرب بعمقه الإفريقي، يعود خطاب مألوف إلى الواجهة في جزء من الإعلام المغربي:
خطاب “المؤامرة”.
مؤامرة على المغرب.
مؤامرة من الأصدقاء قبل الخصوم.
مؤامرة لأننا ناجحون.
مؤامرة لأننا مختلفون.
هذا الخطاب، رغم أنه قد يبدو مفهومًا في لحظات الغضب أو الإحباط، يطرح إشكالًا عميقًا:
إنه يريحنا نفسيًا، لكنه يُعفينا فكريًا من طرح الأسئلة الصعبة.
لا أحد يُنكر أن السياسة الدولية، كما القارية، مجال مفتوح للصراع، ولحسابات النفوذ، ولتوازنات المصالح.
ولا أحد ساذج إلى درجة الاعتقاد بأن كل ما يجري داخل القارة الإفريقية بريء أو خالٍ من الخلفيات.
لكن اختزال كل توتر أو خلاف أو قرار غير مُرضٍ في سردية “التآمر”، دون مساءلة ذواتنا وسرديتنا وخياراتنا التاريخية، ليس فقط تبسيطًا مخلًا، بل خطأ استراتيجيًا يضعفنا بدل أن يحصّن موقعنا.
المشكلة ليست أن الآخرين “يتآمرون”
المشكلة أن سرديتنا غير محكية
المغرب حاضر بقوة في إفريقيا على مستوى الفعل:
الاستثمار،
الدبلوماسية،
المبادرات الملكية،
التعاون الأمني والديني والاقتصادي.
لكن هذا الحضور القوي لا يُقابله حضور مماثل على مستوى السرد.
قصتنا مع إفريقيا لا تُروى كما يجب.
ولا تُشرح كما ينبغي.
ولا تُناقش بجرأة داخل إعلامنا قبل أن تُقدَّم – أو تُختزل – في إعلام الآخرين.
نحن نشتغل بالفعل،
لكننا لا نشتغل بما يكفي على ”المعنى“.
وحين لا تحكي قصتك بنفسك،
سيحكيها غيرك… من زاويته، وبحسب مصالحه، وبالفراغات التي تركتها أنت.
ثغرات في سرديتنا… لم نخترعها، لكننا لم نواجهها
لنكن صادقين مع أنفسنا.
هناك محطات تاريخية حقيقية، وليست مختلقة، تُستعمل اليوم في جزء من الإعلام الإفريقي وفي النقاشات الشعبية لتغذية فكرة أن المغرب “لا يريد أن يكون إفريقيًا بالكامل”.
من بين هذه المحطات، انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية.
وهو قرار سياسي سيادي في سياقه التاريخي، لكن الإشكال لم يكن في القرار وحده، بل في ما تلاه:
تركنا الحدث يتكلم عنا، ولم نتكفل نحن بشرحه وتفكيكه.
ما يُغفل غالبًا، وما لا نُصرّ نحن على قوله بما يكفي، هو أن المغرب لم ينسحب يومًا من إفريقيا نفسها.
انسحب من إطار مؤسساتي، نعم، لكنه في الوقت نفسه اختار مسارًا آخر:
مسار العلاقات الثنائية، والعمل الميداني، والتعاون المباشر.
في تلك المرحلة بالذات، أسس المغرب وكالة تنمية التعاون، وفتح جامعاته لآلاف الطلبة الأفارقة، واستثمر في تكوين الأطر وبناء روابط إنسانية عميقة، بعيدًا عن الصخب السياسي.
لكن لأن هذه القصة لم تُحكَ كما يجب، تحوّل الانسحاب في المخيال العام من “خلاف سياسي” إلى “قطيعة وجدانية”.
الانفصال الثقافي… جرح لم نعترف به بما يكفي
هناك أيضًا فجوة ثقافية وإعلامية حقيقية بين المغرب وشمال إفريقيا عمومًا، وبقية القارة الإفريقية.
ليست نتيجة موقف عدائي، بل حصيلة تراكمات تاريخية ولغوية واستعمارية لم نشتغل على تفكيكها بجدية.
إفريقيا جنوب الصحراء ظلت غائبة عن:
المناهج التعليمية،
الإعلام،
الإنتاج الثقافي،
والخيال الجماعي المغربي.
وفي المقابل، ظل المغرب في نظر كثيرين داخل القارة بلدًا بعيدًا، يُرى من خلال صور ناقصة أو نمطية.
عدم الاعتراف بهذه الفجوة لا يُلغيها، بل يتركها مفتوحة أمام تأويلات الآخرين.
“عاد المغرب حين احتاج”… سردية لم نُفككها
تُستعمل أيضًا عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي لتغذية سردية نفعية مفادها أن المغرب “عاد حين احتاج”.
الرد على هذا الطرح لا يكون بالإنكار، بل بالتوضيح:
المغرب لم يعد إلى إفريقيا، لأنه لم يغادرها أصلًا.
الذي تغيّر هو القناعة بأن العمل من داخل المؤسسة القارية أصبح أجدى من العمل خارجها.
العودة لم تكن رمزية ولا خطابية فقط،
بل رافقها استثمار، ومبادرات، ومشاريع ملموسة.
لكن ضعف السرد جعل الفعل أقوى من الحكاية، والحكاية المضادة أكثر انتشارًا من قصتنا.
كأس إفريقيا… حين اختار الإعلام عقلية الضحية
ما حدث بعد كأس إفريقيا الأخيرة كان لحظة كاشفة، ليس رياضيًا فقط، بل ذهنيًا أيضًا.
بدل نقاش هادئ حول التحكيم وطبيعة المنافسة وحدود الرياضة،
انزلقت قطاعات واسعة من الإعلام ومنصات التواصل إلى خطاب من قبيل:
“خذلنا الإخوة”
“طُعنّا من الخلف”
“إفريقيا لا تحب المغرب”
“المؤامرة كانت جاهزة”
هذا الخطاب، رغم أنه مريح عاطفيًا، يُدخل الرأي العام في عقلية الضحية.
وعقلية الضحية لا تبني تحالفات،
ولا تُقنع الشركاء،
ولا تُنتج احترامًا،
بل تُراكم المسافة بدل تقليصها.
وهي عقلية تُناقض تمامًا الروح التي يدعو إليها الملك محمد السادس في علاقته بإفريقيا:
روح الهدوء، وطول النفس، وعدم تحويل الخلافات الظرفية إلى قطيعة رمزية أو وجدانية.
بين الوعي بالاستهداف… وهوس المؤامرة
نعم، من الضروري أن نكون واعين بأن هناك دولًا تنافس المغرب،
وأن هناك أطرافًا لا تنظر بعين الرضا إلى حضوره المتنامي،
وأن داخل الاتحاد الإفريقي حسابات معقدة.
لكن الوعي بالاستهداف شيء،
وتحويل كل إخفاق أو اختلاف إلى “مؤامرة شاملة” شيء آخر.
الأول يُنتج سياسة.
الثاني يُنتج انفعالًا.
الأول يدفعك إلى تحسين أدواتك،
والثاني يجعلك تكتفي بتبرير ذاتك.
الإعلام المغربي: من الدفاع الانفعالي إلى البناء السردي
مشكلتنا الحقيقية ليست أن الآخرين لا يفهموننا،
بل أننا لا نشرح أنفسنا بما يكفي، ولا بعمق كافٍ.
نحن في حاجة إلى إعلام:
يُقرّ بالأخطاء التاريخية دون جلد للذات،
يشرح السياقات بدل إنكارها،
لا يخاف من قول: “هنا أخطأنا في التواصل”،
ويرى في إفريقيا شريكًا معقدًا، لا جمهورًا مفترضًا.
إفريقيا لا تحتاج منا خطابات عاطفية،
بل وضوحًا، واتساقًا، واحترامًا لعقلها الجمعي.
المؤامرة لا تُفسّر كل شيء
أسهل ما يمكن فعله هو القول:
“العالم ضدنا”.
أصعب، لكنه أنفع، أن نقول:
“سرديتنا تحتاج إلى مراجعة”.
المغرب لا يحتاج إلى لعب دور الضحية داخل قارته،
ولا إلى إثبات إفريقيته بالصراخ.
ما يحتاجه هو:
إعلام يُصغي قبل أن يدافع،
سردية تعترف بالثغرات قبل أن تشتكي منها،
ووعي بأن بناء إفريقيا لا يتم بمنطق الاصطفاف،
بل بالثقة المتبادلة، حتى في لحظات الخلاف.
لأن إفريقيا، في النهاية،
لا تُبنى بنظرية المؤامرة،
بل بذكاء السرد، وصدق الشراكة، وطول النفس.






